التساقطات الربيعية تنعش الآمال وتطرح تحدي تدبير المياه

أميمة حدري 

لا يمكن قراءة التساقطات الربيعية التي يشهدها المغرب في الفترة الحالية باعتبارها مجرد تحول مناخي عابر أو انفراج ظرفي في وضعية القطاع الفلاحي، بل تندرج ضمن سياق أكثر تعقيدا يرتبط بتقلبات بنيوية في النظام المائي والاقتصادي، حيث تتقاطع رهانات الأمن الغذائي مع إكراهات ندرة الموارد وتحديات التغيرات المناخية.

على المستوى الظرفي، تساهم أمطار مارس في إعادة التوازن إلى دورة الإنتاج الفلاحي، خاصة بالنسبة للحبوب التي تمر بمرحلة حساسة من النمو، كما تمنح دفعة قوية للزراعات الربيعية، وهو ما ينعكس إيجابا على توقعات المردودية وعلى نفسية الفاعلين في العالم القروي. غير أن هذا التحسن، مهما بلغت أهميته، يظل رهينا باستمرارية التساقطات وانتظامها، وهو عامل لم يعد مضمونا في ظل التحولات المناخية التي تجعل من المواسم الفلاحية أكثر هشاشة وتقلبا.

وفي المقابل، تكشف هذه الأمطار عن مفارقة واضحة في بنية النموذج الفلاحي، إذ رغم تحسن الظروف المناخية، يستمر النقاش حول محدودية انعكاس ذلك على الأسعار وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، ما يطرح تساؤلات حول سلاسل التوزيع وآليات ضبط السوق، وكذا حول طبيعة الاختيارات الإنتاجية التي تميل في جزء منها إلى الزراعات الموجهة للتصدير، على حساب توازن السوق الداخلية.

من جهة أخرى، تعيد هذه التساقطات طرح إشكالية تدبير الموارد المائية بحدة أكبر، حيث أظهرت سنوات الجفاف المتتالية حدود النموذج القائم على الاستغلال المكثف للمياه، خاصة في الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع.

ورغم أن الأمطار الحالية تساهم في إنعاش نسبي للفرشات المائية ورفع حقينة السدود، فإنها لا تمحو آثار الاستنزاف الذي تراكم عبر سنوات.

ويبرز في هذا السياق تحدي الانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى مقاربة استباقية قائمة على الاستدامة، وهو ما يقتضي إعادة هيكلة السياسات المائية والفلاحية على حد سواء، عبر توجيه الاستثمارات نحو اقتصاد الماء، وتعزيز التقنيات الحديثة للري، وتوسيع الاعتماد على الموارد غير التقليدية، مع ضبط الاستغلال المفرط للموارد الجوفية.

كما أن هذا التحول لا ينفصل عن أبعاده الاجتماعية، إذ إن الفلاحين الصغار يظلون الحلقة الأضعف في معادلة التكيف مع التحولات المناخية، في ظل محدودية الإمكانيات وضعف الولوج إلى التمويل والتكنولوجيا، ما يفرض إدماج البعد الاجتماعي ضمن السياسات العمومية، لضمان انتقال عادل لا يعمق الفوارق داخل المجال القروي.

وفي العمق، تعكس التساقطات الربيعية الحالية لحظة اختبار حقيقية لمدى قدرة النموذج الفلاحي المغربي على التكيف مع واقع مناخي جديد، حيث لم يعد السؤال مرتبطا فقط بكمية الأمطار، بل بكيفية تدبيرها وتثمينها ضمن رؤية طويلة المدى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى