الفوضى المقننة أم التطبيقات الذكية.. من ينتصر في قطاع النقل؟

أميمة حدري

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة جدلا متصاعدا حول مستقبل قطاع النقل، خاصة النقل عبر التطبيقات الذكية، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلاد، واستعداداته لاستقبال فعاليات كأس العالم 2030.

هذا النقاش لا يقتصر على مجرد تنظيم حركة السيارات أو تحسين الخدمات اللوجستية، بل يمتد إلى صميم العلاقة بين المواطن والقانون، وإعادة صياغة صورة المغرب كمجتمع حضاري قادر على مواكبة الابتكار والتكنولوجيا، دون المساس بحقوق المهنيين التقليديين في قطاع سيارات الأجرة.

الخدمات المقدمة عبر التطبيقات الذكية، لاقت إقبالا كبيرا من مختلف شرائح المجتمع، إذ توفر سهولة في الاستخدام وراحة في التنقل، كما تتناغم مع إيقاع الحياة الحضرية الحديثة المتسارعة.

ومع ذلك، يثير هذا القطاع انقسامات حادة بين مؤيدين يعتبرونه وسيلة مبتكرة لخلق فرص الشغل وتخفيف الضغط عن وسائل النقل التقليدية، وبين مهنيي سيارات الأجرة الذين يرونه تهديدا مباشرا لمصدر رزقهم، ويتسبب في اضطرابات مستمرة داخل المدن، ما ينعكس سلباً على الأمن العام وانسيابية حركة المرور.

برنامج “خارج التغطية” على قناة “إعلام تيفي“، الذي يصوب الكاميرا تجاه قضايا تهم المواطن بشكل مباشر، اختار في حلقته الأولى موضوع النقل بين سيارات الأجرة والتطبيقات الذكية، موفرا مساحة للنقاش الحر بين مختلف الأطراف، وأتاح للمواطنين التعبير عن تجاربهم وانطباعاتهم، لتظل الكلمة الأخيرة دائما لهم، معززة بحياد إعلامي.

مصطفى الكيحل، الكاتب الوطني للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، أكد أن النشاط الذي يمارس عبر التطبيقات باستخدام سيارات عادية لا يتوافق مع القانون، مشيرا إلى تسجيل العديد من السلوكيات غير المقبولة على منصات التواصل الاجتماعي، شملت مضايقات لمواطنات ومواطنين، ونتج عنها متابعة قضائية.

وفي تصريح له خلال حلقة البرنامج المعنونة بـ”نقل خارج القانون.. أم قانون خارج الواقع”، شدد الكيحل على أن الخلاف بين المهنيين ينشأ من وجود قطاع مرخص لنقل الأشخاص بسيارات الأجرة، مقابل قطاع غير منظم يعتمد على التطبيقات، وهو ما خلق حالة من الفوضى القانونية.

وأشار إلى أن صمت الجهات المسؤولة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، رغم التصريحات المتكررة في البرلمان وإصدار الدوريات الوزارية للسلطات المحلية والأجهزة الأمنية، ساهم في توسيع فجوة التنظيم، ما جعل الصورة النهائية أمام المواطن والمستعمل غير مقبولة.

وأكد الكيحل أن القانون ليس أداة لتطبيق الإجراءات وفق المزاج، بل لتنظيم النشاط وحماية حقوق جميع الأطراف، مشيرا إلى أن المهنيين التقليديين أصبحوا ضحايا لتصرفات شركات غير مرخصة، حيث تم متابعتهم قضائيا رغم عدم تورطهم المباشر، فيما تتحمل هذه الشركات المسؤولية الكاملة.

واستشهد بحالات متعددة منذ عام ألفين وأربعة وعشرين، شملت متابعة سائقين مهنيين أمام القضاء بسبب مخالفات ارتكبتها شركات التطبيقات، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول عدالة التطبيق القانوني وضرورة مراجعة الإطار التنظيمي.

قطاع النقل عبر التطبيقات أصبح واقعا قائما لا يمكن تجاهله، يستدعي، وفق الكاتب الوطني للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، تشريعا واضحا ومحددا يضمن إدماجه ضمن منظومة قانونية منضبطة، مؤكدا أن دور وزارة الداخلية يتطلب تقديم مقترحات وفتح نقاشات موسعة داخل اللجان البرلمانية وخارجها، لإخراج هذا النشاط من “دائرة الفوضى القانونية”.

وأوضح أن المغرب ما زال يعتمد على الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق، والذي أصبح، بحسبه، “غير متكيف مع متطلبات العصر والتكنولوجيا الحديثة”، مؤكدا أن “الابتكار والتحرر التكنولوجي ممكنان، شرط أن يكونا ضمن ضوابط قانونية واضحة تحمي حقوق المواطنين والمهنيين على حد سواء، وتضمن سلامة الركاب وتنظيم القطاع بما يعكس صورة المغرب الحضارية أمام العالم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى