احتقان في قطاع النظافة بفاس.. أجور متأخرة واختلالات تهز المرفق الحيوي

حسين العياشي
سجّل قطاع النظافة بمدينة فاس حالة احتقان متصاعدة، في ظل غضب عارم يسود صفوف العاملات والعمال بسبب تأخر صرف الأجور وتدهور ظروف الاشتغال داخل هذا المرفق الحيوي، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية تدبير خدمات القرب وحدود التزام الشركات المفوض لها بتعهداتها الاجتماعية والقانونية.
هذا الوضع المتأزم لم يمر دون رد فعل نقابي، إذ عقد مكتب الاتحاد المحلي التابع للفيدرالية الديمقراطية للشغل بفاس اجتماعاً موسعاً بحضور المكتب النقابي لعمال وعاملات القطاع، خُصص لتشخيص الأوضاع المهنية والاجتماعية التي وصفها المجتمعون بالمقلقة، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع شروط العمل وتفاقم الاختلالات داخل منظومة التدبير المفوض.
وبحسب المعطيات التي عرضتها الهيئة النقابية، فإن شغيلة قطاع النظافة لم تعد تواجه فقط صعوبات ظرفية، بل تعيش على وقع ما اعتُبر “اختلالات بنيوية خطيرة” تمس جوهر الحقوق الأساسية، من خلال ممارسات تُتهم بها الشركة المفوض لها تدبير القطاع، تقوم، وفق البيان، على التملص من الالتزامات القانونية والتعاقدية، بما ينعكس بشكل مباشر على كرامة العاملات والعمال ويقوض شروط العمل اللائق.
وفي تفاصيل هذه الاختلالات، سجّلت النقابة حرمان العمال من تعويضات أساسية، من قبيل “السلة” و”الوسخ”، في خرق صريح لمعايير الصحة والسلامة المهنية، إلى جانب استمرار تأخر صرف مستحقات فئات من السائقين والمراقبين، وهو ما اعتبرته ضرباً للحقوق المكتسبة وتكريساً لمنطق التمييز داخل نفس القطاع.
ولم تقف الانتقادات عند حدود الحقوق الفردية، بل امتدت إلى طريقة تدبير المرفق ككل، حيث رصد البيان ما وصفه بـ”الدوس” على مضامين دفتر التحملات، من خلال الخصاص الحاد في الموارد البشرية والتقليص الملحوظ في المعدات والآليات، الأمر الذي لا يؤثر فقط على ظروف العمل، بل ينعكس أيضاً على جودة خدمات النظافة المقدمة للساكنة، في مدينة تعرف ضغطاً ديمغرافياً وحركية يومية متزايدة.
وفي موازاة ذلك، أثار رفض الشركة فتح حوار قطاعي جاد موجة استياء إضافية داخل الأوساط النقابية، التي اعتبرت هذا الموقف تحدياً صريحاً لمبادئ الحوار الاجتماعي ولمقتضيات الدستور، خاصة في سياق يتطلب معالجة عاجلة للاختلالات المطروحة بدل تعميق حالة الاحتقان.
وترى النقابة أن ما يجري داخل القطاع لم يعد مجرد اختلالات معزولة، بل تحول إلى نهج ممنهج يكرس الهشاشة والاستغلال، محذرة من تداعيات اجتماعية قد تكون لها كلفة أكبر في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، ومحمّلة الشركة المفوض لها تدبير القطاع كامل المسؤولية عن أي توتر محتمل قد تشهده المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، وجّه مكتب الاتحاد المحلي تنبيهاً واضحاً إلى الشركة المعنية والجهات الوصية، داعياً إلى تدخل عاجل لتصحيح الأوضاع المختلة، ووضع حد لما وصفه بممارسات التضييق التي تستهدف ممثلي العمال، مع التشديد على ضرورة احترام مبدأ الحياد في تدبير العلاقات المهنية داخل القطاع.
كما طالبت النقابة بحزمة من الإجراءات المستعجلة، في مقدمتها إقرار زيادة فورية في الأجور لمواكبة غلاء المعيشة، وضمان الحماية الفعلية للقدرة الشرائية للعاملين، إلى جانب توفير الموارد البشرية والمعدات الكفيلة بتحسين ظروف العمل وجودة الخدمات، وصرف جميع التعويضات المستحقة دون تأخير أو تمييز، مع الالتزام الصارم بمضامين دفتر التحملات وفتح حوار قطاعي جاد يفضي إلى حلول عملية ومستدامة.
وبين تصاعد غضب الشغيلة وتنامي الانتقادات لطريقة تدبير القطاع، يبرز ملف النظافة بفاس كاختبار حقيقي لمدى قدرة منظومة التدبير المفوض على تحقيق التوازن بين متطلبات الخدمة العمومية وصون حقوق العاملين، في وقت لم يعد فيه تأجيل الحلول خياراً قابلاً للاستمرار.





