عندما تتحول المشاريع إلى أوراق سياسية.. سوق “الخروبة” في قلب صراع النفوذ بسلا

حسين العياشي
أشعل مشروع سوق “الخروبة” النموذجي بمنطقة بطانة بمدينة سلا فتيل مواجهة سياسية صامتة خرجت تدريجياً من كواليس التدبير المحلي إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما تحوّل هذا الورش، الذي رُصدت له ميزانية تناهز ملياراً و200 مليون سنتيم، من مشروع تجاري يراد له تنظيم القطاع غير المهيكل إلى ساحة شدّ حبل بين فاعلين سياسيين يتنازعون حول من يملك “شرعية” إخراجه إلى الوجود.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن يشكل المشروع خطوة عملية لإنهاء مظاهر العشوائية التي تطبع نشاط الباعة الجائلين في قلب بطانة، وجد نفسه محاطاً بأسئلة ملحّة تتجاوز طبيعته التنموية، لتلامس خلفيات التوقيت وسياقات الصراع السياسي المحلي، خاصة مع بروز مؤشرات على تنافس غير معلن بين مكونات داخل المجلس الجماعي ومقاطعة بطانة حول نسب الإنجاز وملكية المبادرة.
هذا التوتر غير المعلن يضع، من جهة، عمدة المدينة عمر السنتيسي، المنتمي إلى حزب الاستقلال، في موقع يسعى من خلاله إلى تثمين المشروع باعتباره ثمرة مجهودات المجلس الجماعي وقدرته على تعبئة التمويل اللازم لإخراج سوق نموذجي من شأنه إعادة هيكلة المجال التجاري ومحاربة الفوضى. ومن جهة أخرى، تبرز مقاطعة بطانة، بقيادة عماد الريفي عن حزب الأصالة والمعاصرة، كفاعل يعتبر نفسه الأقرب ميدانياً إلى تفاصيل المشروع، والأدرى بحاجيات المنطقة، بما يجعل حضوره في مسار التنزيل أمراً حاسماً لا يمكن تجاوزه.
غير أن ما يضفي على هذا المشروع حساسيته المتزايدة ليس فقط هذا التنازع السياسي، بل أيضاً المخاوف التي بدأت تتسلل إلى أوساط الساكنة والباعة، خصوصاً أولئك الذين يشكلون العمود الفقري لنشاط “الخروبة” الحالي. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة يتعلق بهوية المستفيدين الحقيقيين من هذا السوق: هل سيكون فضاءً لإنصاف “الباعة المتجولين” الذين ظلوا لسنوات يواجهون الهشاشة والتضييق في الشارع، أم سيتحول إلى فرصة جديدة لإعادة إنتاج شبكات الزبونية عبر لوائح توزع في الخفاء؟
وتتغذى هذه المخاوف من تجارب سابقة لمشاريع مماثلة، حيث انتهى الأمر ببعض الأسواق النموذجية إلى فضاءات شبه مهجورة، نتيجة اختلالات في التوزيع أو ضعف الجاذبية الاقتصادية، وهو ما يدفع جزءاً من الرأي العام المحلي إلى التشكيك في مآل هذا المشروع، رغم الغلاف المالي المهم الذي رُصد له.
كما يطرح حجم الميزانية المعلنة تساؤلات إضافية حول جودة الإنجاز المرتقب، ومدى انعكاس هذا الاستثمار فعلياً على البنية التحتية والخدمات داخل السوق، بدل أن يتحول إلى مجرد واجهة تجميلية لا تعكس القيمة الحقيقية للأموال المرصودة، في ظل تخوفات من أن تُستنزف أجزاء منها في مسارات لا ترتبط مباشرة بجوهر المشروع.
وفي خلفية هذا الجدل، يطفو سؤال التوقيت بقوة، إذ يرى متابعون أن احتدام هذا الصراع في هذه المرحلة بالذات لا يخلو من أبعاد سياسية مرتبطة بإعادة ترتيب المواقع استعداداً للاستحقاقات المقبلة، حيث تتحول المشاريع التنموية الكبرى إلى أوراق ضغط ورهانات انتخابية، تتجاوز في بعض الأحيان أولويات الساكنة واحتياجاتها الفعلية.
وبين رهانات التنظيم ومحاربة العشوائية، وحسابات النفوذ وتوازنات المرحلة، يجد مشروع سوق “الخروبة” نفسه أمام اختبار حقيقي: إما أن يشكل نموذجاً ناجحاً لإدماج الباعة في اقتصاد منظم يضمن الكرامة والاستقرار، أو أن ينضم إلى قائمة مشاريع لم تصمد أمام تعقيدات التدبير المحلي وتشابك المصالح.
وفي انتظار ما ستكشف عنه مراحل التنفيذ، يبقى الرهان الأكبر معلقاً على قدرة المسؤولين على إرساء معايير شفافة وعادلة في توزيع المحلات، وضمان حكامة فعالة تضع مصلحة المدينة وساكنتها فوق كل اعتبار، حتى لا يتحول المشروع من أمل تنموي إلى عنوان جديد لخيبات متكررة.





