من شلل المحاكم إلى الحوار.. وهبي يعيد ترتيب أزمة المحامين بلغة “التهدئة الحذرة”

حسين العياشي
سجّل وزير العدل عبد اللطيف وهبي عودة محسوبة إلى واجهة الجدل المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة، معتمداً ما يمكن وصفه بـ“التهدئة الحذرة” لإعادة ترتيب خيوط أزمة طبعت الأشهر الماضية وألقت بظلالها الثقيلة على السير العادي لمرافق العدالة.
هذا التحول في خطاب المسؤول الحكومي لم يأت من فراغ، بل جاء في أعقاب مرحلة توتر غير مسبوقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بلغت ذروتها بشلل شبه تام داخل عدد من محاكم المملكة، قبل أن يشكل قرار عودة المحامين إلى مزاولة مهامهم خلال شهر فبراير الماضي نقطة انعطاف مفصلية أعادت النقاش من الشارع إلى طاولة الحوار المؤسساتي.
في جوابه الكتابي، حرص وهبي على التأكيد أن قنوات التواصل مع أصحاب البذلة السوداء لم تنقطع، حتى في أكثر اللحظات احتقاناً، معتبراً أن ما جرى لم يكن قطيعة بقدر ما كان تعبيراً عن اختلاف في التقدير حول مضامين نص قانوني حساس يمس جوهر الممارسة المهنية وضمانات المحاكمة العادلة.
ولم يخف الوزير، في المقابل، أن مشروع القانون لم يسلك مساراً أحادياً في الإعداد، بل جاء ثمرة ما وصفه بـ“مقاربة تشاركية” امتدت على مراحل طويلة من التشاور مع جمعية هيئات المحامين، أفضت إلى صياغة مسودة أولية اعتبرتها الوزارة أرضية توافقية قبل إحالتها على الأمانة العامة للحكومة، ثم عرضها على المجلس الحكومي للمصادقة.
غير أن هذا المسار، الذي قُدّم باعتباره نموذجاً للتشاور المؤسساتي، اصطدم لاحقاً باعتراضات قوية من طرف الهيئات المهنية، التي رأت في الصيغة النهائية للنص نوعاً من “الانزياح” عن خلاصات الحوار السابقة، وهو ما فجّر موجة من الإضرابات والاحتجاجات داخل الجسم المهني، أعادت الملف إلى دائرة التوتر.
وفي قراءته لتلك المرحلة، لم يتردد وهبي في توصيف توقف المحامين عن العمل بكونه “امتناعاً عن تقديم المساعدة للقضاء”، في موقف يعكس تمسكاً بصرامة قانونية في تقييم أثر الإضراب على سير العدالة، غير أنه في الآن ذاته أبدى مرونة سياسية لافتة، حين اعتبر أن المسار التشريعي يظل مفتوحاً على إمكانيات التعديل والتجويد، بما يسمح باستدراك مكامن الخلل وإعادة بناء التوافق حول النص.
هذا التوازن بين الحزم والانفتاح تجسّد، وفق المعطيات التي كشفها الوزير، في إحداث لجنة مشتركة تحت إشراف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أوكلت إليها مهمة إعادة فحص نقاط الخلاف وتدقيق الصياغات المثيرة للجدل، في محاولة لإعادة الثقة بين الأطراف وإخراج المشروع من حالة الاستقطاب التي طبعته.
ويبدو أن عودة المحامين إلى قاعات المحاكم في منتصف فبراير لم تكن مجرد استئناف للعمل، بقدر ما شكلت إشارة سياسية ومهنية لفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار بدل التصعيد، خاصة في ظل إدراك متزايد بأن إصلاح منظومة العدالة لا يمكن أن يتم خارج منطق التوافق بين مختلف مكوناتها.
في عمق هذا النقاش، يبرز رهان أكبر يتجاوز تفاصيل النص القانوني، ويتعلق بمدى قدرة الدولة على تحديث الإطار المنظم لمهنة المحاماة بما ينسجم مع التحولات الدستورية ويعزز ضمانات المحاكمة العادلة، دون الإخلال بالتوازن الدقيق بين استقلالية المهنة ومتطلبات تنظيمها.
وبين ذاكرة الأزمة وأفق الانفراج، يبدو أن مشروع قانون المحاماة دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة التفاوض على التفاصيل، في أفق صياغة نص قادر على استيعاب انتظارات المهنيين ومقتضيات الإصلاح، ضمن مسار يختبر من جديد حدود التوافق داخل ورش العدالة بالمغرب.





