لجان تفتيش تقتحم ملفات مشبوهة.. هل يبدأ تطهير قطاع التعمير؟

حسين العياشي

أطلقت السلطات الإقليمية بجهة الدار البيضاء–سطات حملة افتحاص واسعة داخل عدد من الجماعات الترابية، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً نحو تشديد الرقابة على قطاع التعمير، الذي ظل لسنوات أحد أكثر المجالات إثارة للجدل بسبب ما يحيط به من شبهات واختلالات متكررة.

وجاء هذا التحرك عبر إحداث لجان تفتيش خاصة، بتعليمات مباشرة من عمال العمالات والأقاليم، في سياق يتسم بارتفاع منسوب القلق حول طرق تدبير ملفات حساسة تتعلق بمنح الرخص والشواهد الإدارية، خاصة تلك المرتبطة بتقسيم الأراضي والبناء، وهي ملفات لطالما شكلت نقطة تقاطع بين السلطة التقديرية والرقابة القانونية.

وتشير مصادر محلية لـ”إعلام تيفي”، إلى أن هذه اللجان لم تُشكل بشكل تقليدي، بل روعي في تركيبتها الطابع التقني والقانوني الدقيق، حيث تضم رؤساء أقسام التعمير وتقنيين متخصصين وأطرًا إدارية ذات خبرة، بما يتيح مقاربة شاملة تجمع بين الفحص الوثائقي والتدقيق الميداني، في محاولة لرصد مكامن الخلل داخل المنظومة.

هذا التحرك لم يأت من فراغ، بل استند إلى تقارير ميدانية رفعتها المصالح المختصة، كشفت عن وجود شبهة خروقات خطيرة داخل بعض أقسام التعمير، تتراوح بين منح شواهد خارج الضوابط القانونية، وتجاوز المساطر المعمول بها، وصولاً إلى شبهات تواطؤ بين منتخبين وفاعلين في القطاع العقاري، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار غير معلنة لمواجهة هذه الاختلالات.

وفي إقليم الجديدة، برزت واحدة من أبرز تجليات هذا التوجه، حيث سارعت السلطات إلى تشكيل لجنة خاصة لافتحاص ملفات التعمير بإحدى الجماعات التي أثارت جدلاً واسعاً في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد عزل رئيسها، في مؤشر على أن الملف لم يعد مجرد تجاوزات معزولة، بل أصبح يعكس نمطاً مقلقاً من التدبير.

وتركز عمليات التدقيق، بحسب المعطيات، على ملفات تم اتخاذ قرارات بشأنها في ظروف استثنائية، أو تلك التي تحوم حولها شبهات قوية، ومن بينها ملف يتعلق بقيام نائب مفوض له قطاع التعمير بتسليم شواهد إدارية تُتيح تقسيم أراضٍ فلاحية وعقارية إلى بقع صغيرة، في تجاوز صريح للمساطر القانونية التي تفرض المرور عبر المنصة الرقمية للتعمير والحصول على موافقة لجنة مختلطة تضم مختلف المتدخلين.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى أن هذه اللجنة المختلطة تضم ممثلين عن مصالح العمالة، ومديرية الفلاحة، والوكالة الحضرية، والمحافظة العقارية، ما يجعل أي التفاف على هذه الآلية القانونية مؤشراً على خلل بنيوي في منظومة المراقبة، وليس مجرد خطأ إداري معزول.

وفي ظل هذا الوضع، تؤكد مصادر مطلعة أن السلطات الإقليمية تتجه نحو اعتماد مقاربة حازمة في ترتيب المسؤوليات، دون استثناء، بناءً على نتائج الافتحاصات الجارية، وهو ما قد يفتح الباب أمام إجراءات تأديبية قد تصل إلى العزل، أو الإحالة على القضاء في الحالات التي يثبت فيها وجود أفعال تكتسي طابعاً جنائياً، خاصة تلك المرتبطة بتبديد المال العام أو استغلال النفوذ.

وبين إرادة معلنة لإعادة ضبط قطاع التعمير، وواقع مثقل بتراكمات من الاختلالات، تبدو هذه الحملة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الإدارة الترابية على فرض سلطة القانون داخل أحد أكثر القطاعات حساسية، في لحظة لم يعد فيها التساهل خياراً، ولا التغاضي ممكناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى