بين خطاب التمثيل وواقع الإقصاء.. هل فشلت “الباطرونا” في احتواء المقاولات الصغرى؟

أميمة حدري
يتجدد الجدل حول تمثيلية المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب “الباطرونا”، في سياق اقتراب انتخابات قيادته للفترة 2026-2029 المرتقبة في 14 ماي المقبل، وسط اتهامات صريحة من الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بوجود “اختلال بنيوي” في تمثيل النسيج المقاولاتي الوطني، يقابله دفاع من داخل الباطرونا عن شرعية تمثيليتها المؤسساتية.
تجربة 1995 تكشف حدود الإصلاح داخل الباطرونا
وفي هذا السياق، أعلنت الكونفدرالية، في رد رسمي لها، توصل به”إعلام تيفي“، رفضها لما وصفته بـ”ادعاءات تمثيلية” صادرة عن رئيس الفريق البرلماني للاتحاد العام لمقاولات المغرب بمجلس المستشارين، يوسف العلوي، معتبرة أن هذه التصريحات “لا تعكس الواقع الفعلي” لتمثيل المقاولات الصغرى جدًا داخل المؤسسات التشريعية. مؤكدة أنها تستند في موقفها إلى “شهادة تاريخية ومعطيات رقمية ووثائق ميدانية” تفند، بحسب تعبيرها، هذه الادعاءات.
وسجلت الكونفدرالية أن تجربتها داخل الباطرونا تعود إلى سنة 1995، حين تم الانخراط فيها استجابة لتوجيهات ملكية صادرة عن الملك الراحل الحسن الثاني، والتي دعت آنذاك إلى انفتاح الاتحاد على المقاولات الصغرى والمتوسطة، حيث تم تأسيس فدرالية خاصة بهذه الفئة داخل الباطرونا، غير أن هذه التجربة، وفق البيان، لم تستمر سوى سنة ونصف، قبل الانسحاب بسبب ما وصفته بـ”رفض التغيير والانغلاق البنيوي للمؤسسة”، معتبرة أن الإصلاح من الداخل “لم يكن ممكنا”.
وأبرزت أن الباطرونا، التي تأسست سنة 1947 من طرف مقاولين فرنسيين، احتفظت، بحسب قراءتها، ببنية تنظيمية تخدم “مقاولات كبرى بالأساس”، مشيرة إلى أن هذا الإرث التاريخي ما يزال، في نظرها، ينعكس على طبيعة التمثيلية داخل الاتحاد، حيث يتم “إقصاء فعلي لغالبية النسيج المقاولاتي”. معتبرة أن المغرب، رغم استقلاله السياسي، لم يحقق بعد “استقلاله الاقتصادي التمثيلي”، في ظل غياب صوت الأغلبية داخل مؤسسات القرار.
وعلى المستوى الإحصائي، استندت الكونفدرالية إلى دراسة وطنية حديثة، تفيد بوجود أكثر من 4 ملايين مقاولة صغيرة جدا تمثل حوالي 97 بالمائة من مجموع المقاولات بالمغرب، وتوفر ما يفوق 83 بالمائة من فرص الشغل في القطاع الخاص، وهو ما يجعلها، وفق البيان، “العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد الوطني”. وفي المقابل، طرحت تساؤلات حول عدد هذه المقاولات المنخرطة فعليا داخل الباطرونا، معتبرة أنها لا تتجاوز “بضعة آلاف في أحسن الأحوال”، وهو ما اعتبرته “تناقضا صارخا” مع ادعاء تمثيل 90 “المائة من هذه الفئة.
وفي معرض تفنيدها لخطاب التمثيلية، وجه المصدر ذاته سلسلة من الأسئلة إلى الفريق البرلماني للباطرونا، من بينها موقفه من قانون المالية لسنة 2023، الذي رفع، بحسبها، العبء الضريبي على المقاولات الصغرى من 10 إلى 20 بالمائة، مقابل تخفيض الضريبة على الشركات الكبرى من 30 إلى 20 بالمائة، إضافة إلى تساؤلات حول تأخر تفعيل دعم الاستثمار لفائدة المقاولات الصغرى لمدة ثلاث سنوات بعد صدور ميثاق الاستثمار سنة 2022، مقابل استفادة المقاولات الكبرى منذ السنة الأولى.
كما انتقدت ما اعتبرته “إقصاء ممنهجا” لهذه الفئة من مرسوم دعم الاستثمار لسنة 2025، بسبب شروط وصفتها بـ”التعجيزية”، من بينها اشتراط استثمار لا يقل عن مليون درهم ورقم معاملات يفوق هذا السقف، معتبرة أن هذه الشروط “تتناقض مع الهدف المعلن لدعم المقاولات الصغرى جدا”. وطرحت أيضا مسألة عدم تفعيل القانون الذي يخصص 20 “المائة من الصفقات العمومية لفائدة هذه المقاولات، متسائلة عن غياب الضغط البرلماني لتفعيل مراسيمه التطبيقية منذ سنة 2013.
وفي السياق ذاته، سلط الرد الضوء على جملة من الإكراهات البنيوية التي تواجه المقاولات الصغرى جدا، من بينها صعوبات الولوج إلى التمويل، والتأخر في آجال الأداء التي قد تتجاوز 120 يوما، وضعف الولوج إلى العقار والصفقات العمومية، إضافة إلى تحديات الرقمنة والتكوين، مؤكدة أن هذه العوامل تساهم في ارتفاع وتيرة إفلاس هذه المقاولات، حيث يتم تسجيل إغلاق مقاولة صغيرة جدا “كل عشر دقائق”، وفق المعطيات الواردة في البيان.
انتخابات 2026.. هل تعيد التوازن أم تكرس هيمنة الكبار؟
كما أثارت الكونفدرالية مسألة غياب تمثيلية هذه الفئة داخل عدد من المؤسسات الاستراتيجية، من قبيل المجالس الإدارية لبنك المغرب ومؤسسات التكوين المهني والإدارات الجبائية، فضلا عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، معتبرة أن هذا الغياب “يكرس إقصاء ممنهجا” عن مواقع صناعة القرار الاقتصادي.
وعلى المستوى القانوني، اعتبرت الكونفدرالية أن الإطار الحالي للتمثيلية داخل مجلس المستشارين، رغم استناده إلى مقتضيات قانونية، يطرح إشكالا من حيث العدالة التمثيلية، في ظل حرمان 97 بالمائة من المقاولات من تمثيلية مباشرة، مشيرة إلى أن الدستور ينص في فصله الأول على مبدأ المساواة والمشاركة، ويحذر في الفصل 36 من الريع والاحتكار، ما يجعل، بحسبها، مراجعة هذا الإطار “مطلبا ديمقراطيا مشروعا”.
وتزامن هذا الجدل مع اقتراب انتخابات الباطرونا، حيث ترى الكونفدرالية أن الترشيحات المطروحة لا تعكس “قطيعة مع النموذج القائم”، بل تؤشر على “استمرار نفس منطق التمثيلية الشكلية”، في ظل هيمنة المقاولات الكبرى على آليات القرار، مقابل حضور محدود وتأثير ضعيف للمقاولات الصغرى، رغم وزنها العددي والاقتصادي.
وفي هذا الإطار، سجلت أن المقاولات الصغرى جدا، التي تمثل 97 بالمائة من النسيج المقاولاتي، تعاني من تداعيات أزمات متتالية، من بينها جائحة كوفيد-19، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار الوقود، معتبرة أن هذه الظروف تفرض “إعادة النظر في نموذج الحكامة الاقتصادية والتمثيلية المؤسساتية”.
وأكدت الكونفدرالية أنها ماضية في مسارها للمطالبة بتمثيلية “حقيقية وعادلة”، عبر مختلف الوسائل القانونية والمؤسساتية والإعلامية، مشيرة إلى تنظيم المناظرة الوطنية الأولى للمقاولات الصغيرة جدا يومي 27 و28 يونيو 2026، تزامنا مع اليوم العالمي للمقاولات الصغيرة، بهدف تحويل هذه المطالب إلى “مقترحات تشريعية ملموسة”.
وفي ختام بيانها، شددت على أن المقاولات الصغرى جدا “لا تطالب بامتيازات”، بل بـ”العدالة التمثيلية” التي يكرسها الدستور وتفرضها المعطيات الاقتصادية، معتبرة أن المرحلة الحالية تضع الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين أمام خيار واضح بين “الاستمرار في منطق التمثيلية الشكلية” أو الانخراط في إصلاحات هيكلية تستجيب لواقع الاقتصاد الوطني.





