أزمة مستحقات طلبة التربية تكشف اختلالات في تدبير الاعتمادات المالية

حسين العياشي
سجّل ملف طلبة الإجازة في التربية بإقليم اشتوكة أيت باها انفراجاً لافتاً، بعدما اتجهت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية نحو تسوية المستحقات المالية العالقة منذ أشهر، في خطوة أعادت الأمل إلى مئات الطلبة الذين ظلوا يزاولون مهامهم التربوية داخل المؤسسات التعليمية العمومية في ظل وضعية مالية غير مستقرة.
هذا التطور لم يأت من فراغ، بل تزامن مع تعيين مدير إقليمي جديد، اختار منذ الأيام الأولى لتحمله المسؤولية أن يضع هذا الملف ضمن أولوياته المستعجلة، حيث بادر إلى الاطلاع على تفاصيله، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع ممثلي الطلبة المتدربين، في محاولة لفهم خلفيات التأخر والبحث عن مخرج عملي ينهي حالة الاحتقان التي بدأت تتصاعد في أوساط المعنيين.
وبحسب معطيات من داخل المديرية، فإن جذور هذا الإشكال تعود أساساً إلى اختلال في برمجة الاعتمادات المالية، التي لم تكن كافية لتغطية العدد الفعلي للطلبة المزاولين لمهامهم داخل المؤسسات التعليمية، وهو عدد يعرف بدوره تغيرات مستمرة ولا يخضع لتقدير دقيق مسبق، ما خلق فجوة بين الموارد المرصودة والالتزامات الواقعية على الأرض.
هذا الخلل الإداري والمالي انعكس بشكل مباشر على وضعية الطلبة، الذين وجدوا أنفسهم يؤدون أدواراً تربوية وتكوينية بشكل منتظم، دون التوصل بمستحقاتهم لعدة أشهر، وهو ما زاد من حدة التوتر، خاصة مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي واستمرار الغموض حول مآل هذه التعويضات.
في المقابل، تؤكد المديرية الإقليمية أنها شرعت فعلياً في تسوية هذا الملف، بعد اتخاذ سلسلة من الإجراءات الإدارية والمالية، شملت إعادة ترتيب الأولويات والتدقيق في لوائح المستفيدين، إلى جانب مباشرة عمليات المراقبة والتحقق النهائي من الملفات، وهي المرحلة التي تسبق صرف المستحقات بشكل فعلي.
ووفق المعطيات المتوفرة، من المرتقب أن يتوصل الطلبة بمستحقاتهم المالية ابتداءً من يوم الجمعة المقبل، وتشمل هذه المستحقات الفترة الممتدة من أكتوبر ونونبر ودجنبر من سنة 2025، إضافة إلى أشهر يناير وفبراير ومارس من سنة 2026، وهو ما يعني طي صفحة تأخر دام لأكثر من نصف سنة.
غير أن هذا الانفراج يأتي في سياق سبقته مؤشرات قوية على التصعيد، بعدما عبّر الطلبة المعنيون عن استعدادهم لخوض أشكال احتجاجية في حال استمرار تجاهل مطالبهم، معتبرين أن التأخر في صرف مستحقاتهم لا ينسجم مع حجم الالتزامات التي يضطلعون بها داخل المؤسسات التعليمية، ولا مع الطابع القانوني الواضح لهذه الحقوق.
وفي بيان موجه للرأي العام، عبّر الطلبة عن استيائهم من استمرار هذا الوضع، مشيرين إلى أنهم يواصلون أداء مهامهم بكل جدية ومسؤولية، رغم ما وصفوه بحالة “إقصاء غير مبررة”، مطالبين بتمكينهم من مستحقاتهم كاملة أسوة بباقي طلبة الإجازة في التربية بمختلف جهات المملكة.
ويعيد هذا الملف طرح إشكالات أعمق تتعلق بتدبير برامج التكوين التربوي، خاصة في ما يرتبط بالتخطيط المالي ومواكبة التحولات التي يعرفها عدد المستفيدين، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الاختلالات مستقبلاً، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار المسار التكويني للطلبة وجودة الخدمة التربوية داخل المؤسسات العمومية.
وبين منطق التدبير الإداري وحدود الإمكانيات المالية، يبرز هذا الملف كاختبار حقيقي لمدى قدرة المنظومة التربوية على الاستجابة السريعة لمطالب مشروعة، وتحقيق التوازن بين الالتزامات التكوينية وحقوق الطلبة، في سياق يفرض مزيداً من اليقظة والنجاعة في تدبير مثل هذه الملفات الحساسة.





