السطي يفتح ملف الاختلالات الثقيلة بوزارة التعليم.. اتهامات بالتعسف وغياب صارخ للحكامة

حسين العياشي
سجّل مشهد الإدارة التربوية بالمغرب سابقة غير معهودة، بعدما اختار مديرون مركزيون بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة كسر جدار الصمت والتوجه بنداء مباشر إلى النقابات التعليمية الأكثر تمثيلية، في خطوة تعكس حجم الاحتقان داخل دواليب القرار المركزي، وتكشف عن اختلالات عميقة في تدبير الموارد البشرية والتنظيم الإداري داخل الوزارة.
هذا التحرك غير المألوف، الذي حمل في طياته استعجالاً واضحاً، لم يكن مجرد تعبير عن تذمر عابر، بل جاء نتيجة تراكم ما وصفه المعنيون بـ”تجاهل” مراسلاتهم السابقة، ما دفعهم إلى البحث عن وساطة نقابية لإيصال صوتهم إلى الوزير الوصي، في مؤشر لافت على تعثر قنوات التواصل المؤسساتي داخل واحدة من أكبر القطاعات الحكومية.
وقد وجد هذا النداء صداه داخل المؤسسة التشريعية، بعدما تبناه المستشار البرلماني خالد السطي في سؤال كتابي موجّه إلى وزير التربية الوطنية، مطالباً بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتسريع تفعيل الهيكلة الجديدة، بما يضمن وضوح الاختصاصات وتحسين مردودية المصالح المركزية، وإنهاء حالة التفاوت الصارخ في الأجور والتعويضات.
ويضع هذا الملف، بحسب المعطيات المتداولة، الوزارة أمام اختبار تدبيري دقيق، في ظل حديث متزايد عن ارتباك تنظيمي وفوضى إدارية داخل المصالح المركزية، انعكست بشكل مباشر على ظروف عمل المديرين، وعلى قدرة هذه البنيات على مواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المنظومة التعليمية.
ولا تقف حدود الإشكال عند التعثر التنظيمي، بل تمتد إلى ما يعتبره المديرون “مفارقة غير مفهومة” في نظام الأجور، حيث يتقاضى المدير المركزي، وفق المعطيات ذاتها، ما يقارب نصف أجر مدير أكاديمية، رغم تقاطع الاختصاصات وثقل المسؤوليات، وهو وضع وصفه المعنيون بـ”الاختلال البنيوي” الذي يضرب مبدأ الإنصاف داخل نفس القطاع.
كما يطرح هذا الواقع تساؤلات أعمق حول منطق توزيع المسؤوليات والامتيازات داخل هرم الإدارة التربوية، خاصة في ظل استمرار تجميد أجور بعض المديرين العامين الذين يشرفون على مديريات متعددة، دون أن يواكب ذلك أي تحفيز مالي يعكس حجم الأعباء الملقاة على عاتقهم.
وفي مقابل هذه الاختلالات، تتسع دائرة المطالب لتشمل جوانب تنظيمية واجتماعية، من قبيل التعجيل بتعيين رؤساء الأقسام والمصالح في إطار الهيكلة الجديدة، ووضع حد لوضعية “التشرد الإداري” لبعض المديريات التي تشتغل في مقرات غير ملائمة داخل أحياء متفرقة بالعاصمة، بما يؤثر على نجاعة التنسيق الداخلي.
كما يثير الملف إشكالات مرتبطة بتدبير التعويضات والسكن الوظيفي، حيث أشار المديرون إلى غياب توحيد في مسطرة اقتطاع تعويض السكن، فضلاً عن هشاشة بعض السكنيات الوظيفية التي لم تستفد من برامج التأهيل، في مقابل ما تعرفه سكنيات مسؤولي الأكاديميات والمديريات الإقليمية من تحسينات منتظمة.
وفي منحى أكثر حساسية، تضمن النداء انتقادات صريحة لما وصفه المعنيون بممارسات “تسلط وتعسف” داخل الإدارة المركزية، متهمين مسؤولين بارزين بالوقوف وراء قرارات اعتبروها انتقامية، على خلفية مواقف مهنية مرتبطة ببعض المشاريع الإصلاحية، من بينها مشروع “الريادة”، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مناخ العمل داخل الوزارة وحدود التدبير الإداري في علاقته بحرية التعبير المهني.
كما أعاد النداء إحياء الجدل حول ملف مديرة منظومة الإعلام، الذي وصل إلى القضاء الإداري، في قضية اعتبرها المديرون نموذجاً لما وصفوه بـ”اختلالات تدبيرية” تمس مسارات المسؤولين داخل القطاع، وتطرح تساؤلات حول ضمانات الحكامة والشفافية في اتخاذ القرار الإداري.
ولا يغيب عن هذا المشهد البعد الرمزي المرتبط بوضعية المديرين المركزيين، حيث دعا النداء إلى توفير وسائل عمل لائقة، من قبيل سيارات مصلحة تتناسب مع مكانتهم، ومراجعة التعويضات الجزافية التي وصفها المعنيون بـ”الهزيلة”، مقارنة بما هو معمول به في قطاعات حكومية أخرى.
وبين مطالب مهنية عاجلة وانتقادات تدبيرية حادة، يكشف هذا التحرك غير المسبوق عن عمق التحولات التي تعرفها الإدارة التربوية، وعن حجم التحديات التي تواجه تنزيل الإصلاحات في غياب وضوح تنظيمي وتوازن تحفيزي داخل هرم المسؤولية.
وفي انتظار رد الوزارة، يظل هذا الملف مرشحاً لمزيد من التفاعل، خاصة وأنه يضع سؤال الحكامة الإدارية في قلب النقاش العمومي، ويعيد طرح إشكالية التوازن بين سلطة القرار وضمان شروط العمل اللائق داخل مؤسسات يفترض أن تقود إصلاح المدرسة العمومية.





