بين مدونة الأخلاقيات والممارسة.. الطرمونية يختبر حدود المادة 392 خلال عرض الحصيلة الحكومية

حسين العياشي
استدعى خرق صريح لمقتضيات مدونة الأخلاقيات البرلمانية وللمادة 392 من النظام الداخلي لمجلس النواب موجة جديدة من التساؤلات، بعد أن وثّقت العدسات انشغال النائب البرلماني عثمان الطرمونية تارة مع زوجته مروى الأنصاري، التي تجلس بجانبه، وتارة أخرى بهاتفه المحمول خلال الجلسة المشتركة التي خصصت لعرض رئيس الحكومة لحصيلة ولايته. لم يكن المشهد تفصيلاً عابراً داخل فضاء مكتظ بالتفاصيل، بل واقعة ذات دلالة قانونية ومؤسساتية واضحة، تُعيد طرح سؤال احترام القواعد داخل مؤسسة يفترض أنها تضبط نفسها قبل أن تُشرّع للمجتمع.
فالمقتضيات المؤطرة للسلوك البرلماني لا تترك هامشاً واسعاً للتأويل؛ إذ تنص المادة 392 بشكل صريح على أنه “يمنع استعمال الهاتف” داخل الجلسات، كما تؤكد مدونة الأخلاقيات على التزام النائب بالجدية والانخراط الكامل في أشغال المؤسسة.

غير أن ما صدر عن النائب عثمان الطرمونية يكشف، بوضوح، عن مسافة مقلقة بين النص والممارسة، حيث يتحول الخرق من استثناء إلى سلوك قابل للتكرار دون كلفة تُذكر.
ولا يمكن قراءة هذا السلوك في حدوده الفردية الضيقة، لأن رمزيته تتجاوز صاحبه لتطال صورة المؤسسة بكاملها. ففي لحظة سياسية يفترض أن تكون ذروة النقاش العمومي، حيث تعرض حصيلة العمل الحكومي أمام ممثلي الأمة، في آخر دورة تشريعية من عمر الولاية الحالية، يتحول الانشغال بالهاتف إلى مؤشر على تراجع الإحساس بثقل المسؤولية، وإلى رسالة سلبية توجَّه للرأي العام حول طبيعة الحضور داخل البرلمان، هل هو حضور فعلي قائم على التفاعل؟ أم مجرد وجود شكلي يُستكمل لإتمام نصاب الحاضرين؟
الأخطر أن هذا المشهد لا يبدو معزولاً، بل يندرج ضمن نمط سلوكي يتكرر داخل الجلسات، حيث تتراجع أحياناً قيمة النقاش لصالح ممارسات هامشية تُفرغ اللحظة السياسية من مضمونها؛ وعندما يصبح خرق قاعدة واضحة أمراً عادياً، فإن الخلل لا يعود في النص، بل في غياب الإرادة لتفعيله، وفي قبول ضمني بمنطق التساهل الذي يضرب في العمق فكرة الانضباط المؤسساتي.
إن استمرار مثل هذه السلوكيات دون مساءلة حقيقية يطرح إشكالا جوهريا يتعلق بمدى جدية تفعيل مدونة الأخلاقيات؛ فالقواعد التي لا تُطبق تفقد تدريجياً قوتها، وتتحول إلى مجرد واجهة قانونية لا تُحدث أثراً في الواقع. وفي حالة النائب عثمان الطرمونية، لا يتعلق الأمر فقط بخطأ في التقدير، بل بخرق لمقتضى تنظيمي واضح، كان يفترض أن يقابَل بإجراء يكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسة التشريعية.
كما أن وقع هذا السلوك يتضاعف حين يقاس بانتظارات المواطنين، الذين ينظرون إلى البرلمان باعتباره فضاء للمساءلة الجدية والدفاع عن القضايا الحيوية. فحين تختزل لحظات تقييم العمل الحكومي في مشاهد من هذا النوع، تتآكل الثقة في جدوى النقاش البرلماني، ويترسخ الانطباع بأن الفجوة بين النصوص والممارسة آخذة في الاتساع.
ولا يرتبط الأمر هنا بالمواقف السياسية أو بالاصطفافات داخل الأغلبية والمعارضة، بل بحد أدنى من احترام قواعد المؤسسة، باعتبارها أرضية مشتركة لا تخضع للتفاوض. فالنقاش الديمقراطي يفقد معناه عندما يُفرّط في شروطه الأساسية، وفي مقدمتها الانضباط والاحترام.
إن ما حدث داخل الجلسة ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة البرلمان على فرض أبسط قواعده وصون هيبته. فإما أن تُفعّل مقتضيات مدونة الأخلاقيات بشكل صارم وواضح، أو يُترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من الانزلاقات التي تُضعف صورة المؤسسة وتُفرغ أدوارها من مضمونها.
في المحصلة، يكشف مشهد واحد عن أزمة أعمق تتجاوز الهاتف المحمول إلى جوهر الممارسة البرلمانية نفسها؛ فحين يُصبح الخرق عادياً، والانضباط استثناء، لا تعود المشكلة في سلوك فرد، بل في ثقافة مؤسساتية تحتاج إلى مراجعة عاجلة تعيد الاعتبار لمعنى التمثيل السياسي وهيبة المؤسسة التشريعية.





