“نريد محامياً كفؤاً لا مجرد حامل شهادة”.. وهبي يضع المهنة تحت مشرط الإصلاح

حسين العياشي

يفتح وزير العدل عبد اللطيف وهبي من خلال تقديم مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 66.23 نقاشا واسعا حول مستقبل مهنة الدفاع وحدود إصلاحها، في لحظة سياسية وقضائية دقيقة تسعى فيها الدولة إلى إعادة ترتيب توازناتها داخل منظومة العدالة، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين فيها بما يواكب تحولات المرحلة.

ولا يقدّم وهبي هذا المشروع باعتباره مجرد تعديل تقني لنص قانوني قائم، بل كمدخل لإعادة بناء مهنة ظلت، في نظره، محكومة بإكراهات بنيوية تتعلق بالتكوين، وضبابية شروط الولوج، وتوتر العلاقة بين استقلالية المحامي ومتطلبات النجاعة القضائية. ومن هذا المنطلق، يراهن وزير العدل على إعادة صياغة قواعد اللعبة داخل المهنة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن إصلاح العدالة يمر أولاً عبر إصلاح شروط إنتاج الفاعل القانوني نفسه.

بين تأهيل الكفاءات وضبط الولوج.. وهبي يعيد رسم بوابة المهنة

وفي هذا الإطار، يدفع وهبي نحو إقرار تحول لافت في مسار الولوج إلى المهنة، من خلال الانتقال من نظام الامتحان إلى نظام المباراة، وإرساء مسار تكويني مزدوج يجمع بين التأطير النظري والتدريب الميداني الممتد، في محاولة لضبط معايير الانتقاء ورفع مستوى الكفاءة المهنية. غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من طموح إصلاحي، يثير نقاشاً حاداً داخل الأوساط المهنية، حيث يُطرح السؤال حول ما إذا كان الهدف هو فعلاً تحسين جودة التكوين، أم التحكم في تدفق الوافدين إلى المهنة في سياق تعرف فيه اكتظاظاً متزايداً.

ويمضي وزير العدل أبعد من ذلك، حين يفتح الباب أمام أنماط جديدة لممارسة المهنة، من خلال إقرار صيغ الشراكة المهنية المحدودة، وإمكانية التعاون مع مكاتب محاماة أجنبية، في انسجام مع التحولات الاقتصادية والانفتاح على الاستثمار الدولي. ويقدّم وهبي هذا التوجه كضرورة تفرضها العولمة القانونية، غير أن هذا الانفتاح لا يخلو من تخوفات مهنية، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر اختلال التوازن بين المحامي المغربي ونظيره الأجنبي، في ظل غياب ضمانات صلبة تحمي النسيج المهني الوطني.

حصانة الدفاع تحت الاختبار.. بين هيبة المحكمة وحدود الاستقلال

وفي سياق تعزيز مكانة المحامي داخل منظومة العدالة، يسعى وهبي إلى تكريس ما يسميه بـ”حصانة الدفاع”، عبر تقنين مسطرة التعامل مع المحامي في حالات المتابعة أو الاعتقال، بما يضمن، وفق تصور المشروع، حماية أكبر للمهنة. غير أن إدراج مقتضيات تقيد أشكال الاحتجاج داخل المحاكم وتؤطر التعبير المهني بضوابط صارمة، يكشف عن توتر واضح بين رغبة الوزارة في فرض الانضباط داخل الفضاء القضائي، وبين مطلب الحفاظ على استقلالية الدفاع كركيزة أساسية للعدالة.

أما على مستوى التنظيم والتأديب، فيتبنى وزير العدل مقاربة تقوم على عقلنة المساطر وتعزيز آليات المراقبة، من خلال تقليص آجال البت، وتوسيع صلاحيات الطعن، وإقرار تتبع مهني أكثر صرامة. وهي خطوات يقدّمها وهبي في إطار ترسيخ الحكامة داخل الهيئات المهنية، لكنها تثير في المقابل نقاشاً حول ما إذا كانت تشكل تعزيزاً للتنظيم الذاتي، أم بداية لتقليصه لفائدة منطق الضبط المؤسساتي.

وفي العمق، يعكس مشروع القانون الذي يقوده عبد اللطيف وهبي توجهاً إصلاحياً يزاوج بين طموح تحديث مهنة المحاماة وهاجس إعادة ضبطها، في سياق أوسع لإعادة هندسة منظومة العدالة. وبين خطاب التأهيل ومقتضيات التحكم، يجد المحامون أنفسهم أمام نص يفتح أكثر مما يغلق من الأسئلة، ويضع المهنة على عتبة تحول قد يعيد رسم حدود استقلالها ووظيفتها داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى