مؤشرات مقلقة.. المواطن خارج معادلة القرار الميزانياتي بالمغرب (تقرير)

حسين العياشي

سجّل المغرب نتيجة متوسطة في مؤشر الميزانية المفتوحة، أحد أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس شفافية الحكومات في تدبير المال العام، في وقت يتزايد فيه الرهان على إرساء حكامة مالية قائمة على الوضوح والمساءلة وإشراك المواطنين في رسم السياسات العمومية.

فهذا المؤشر، الذي شمل 83 دولة، يُعد الأداة البحثية المستقلة الوحيدة من نوعها على الصعيد العالمي، إذ يستند إلى معايير دولية دقيقة لتقييم مدى انفتاح الحكومات على مواطنيها في ما يتعلق بالقرارات الميزانياتية، من الضرائب إلى النفقات العمومية، وصولاً إلى مستويات الدين العمومي. وفي هذا السياق، حصل المغرب على 51 نقطة في مؤشر الشفافية، وهي نتيجة تضعه قريباً من أدائه في نسخة 2023، لكنها تظل دون العتبة التي يعتبرها التقرير “كافية” لتمكين المواطنين من فهم السياسات المالية والمساهمة في نقاش عمومي مستنير، والمحددة في 61 نقطة.

تقدم جزئي.. ووثائق أساسية خارج التداول
ورغم هذا الأداء المتوسط، رصد التقرير خطوة إيجابية تمثلت في نشر “التصريح ما قبل الميزانياتي” لأول مرة عبر الإنترنت، بعد أن ظل غائباً في الدورات السابقة، وهو ما يعكس توجهاً نحو تحسين مستوى إتاحة المعلومات. غير أن هذا التقدم يظل جزئياً، بالنظر إلى استمرار غياب وثائق أساسية أخرى أو عدم نشرها في الوقت المناسب، ما يحد من فعالية هذا الانفتاح ويقيد إمكانيات الاطلاع الشامل على مسار إعداد الميزانية وتنفيذها.

وعلى المستوى الإقليمي، حلّ المغرب في المرتبة الثالثة ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلف الأردن الذي تصدر الترتيب بـ62 نقطة، ومصر التي جاءت ثانية بـ59 نقطة، فيما تراجعت باقي الدول إلى مستويات أدنى، من بينها لبنان بـ22 نقطة، وفلسطين بـ15 نقطة، وتونس بـ11 نقطة، ثم ليبيا التي سجلت نقطتين فقط، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في مستويات الشفافية المالية داخل المنطقة.

مشاركة عمومية ضعيفة.. المواطن خارج دائرة القرار
غير أن المعطى الأكثر إثارة للقلق في التقرير يتمثل في ضعف مستوى المشاركة العمومية، حيث لم يتجاوز مؤشرها 24 نقطة من أصل 100، وهو ما يكشف عن محدودية انخراط المواطنين والمجتمع المدني في صياغة السياسات الميزانياتية. فبالرغم من إطلاق وزارة الاقتصاد والمالية لمبادرات مثل “الاستشارات ما قبل الميزانياتية” و”الاستشارات الإلكترونية”، إلا أن التقرير اعتبرها غير كافية، داعياً إلى توسيع دائرة المشاركة لتشمل مختلف مكونات المجتمع، بما في ذلك الأفراد والتنظيمات المدنية، مع الحرص على إشراك الفئات المهمشة بشكل فعلي.

ويمتد هذا القصور أيضاً إلى المؤسسة التشريعية، إذ أشار التقرير إلى أن البرلمان، رغم تنظيمه جلسات عمومية لمناقشة الميزانية، لا يتيح حالياً للمواطنين أو لممثلي المجتمع المدني فرصة الإدلاء بشهاداتهم أو تقديم ملاحظاتهم، سواء بشأن مشروع قانون المالية أو تقارير التدقيق. وهو ما دفع الجهة المعدة للتقرير إلى التوصية بفتح هذه الفضاءات أمام المشاركة العمومية، إلى جانب دعوة المجلس الأعلى للحسابات إلى إرساء آليات تتيح للمواطنين المساهمة في تحديد برامج الافتحاص والتحقيق.

رقابة محدودة.. وغياب مؤسسة مالية مستقلة
أما على مستوى الرقابة، فقد حصل المغرب على 51 نقطة، وهو تقييم يعكس “رقابة محدودة” يمارسها كل من البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات، في ظل غياب مؤسسة مالية مستقلة، وهي آلية معتمدة دولياً لتقديم تحليلات غير منحازة تدعم السلطتين التنفيذية والتشريعية في اتخاذ القرار المالي.

ويخلص التقرير إلى أن تحسين موقع المغرب في هذا المؤشر يمر عبر مجموعة من الإصلاحات العملية، من بينها نشر تقارير نهاية السنة وتقارير التدقيق في الوقت المناسب، وتعزيز جودة مشروع الميزانية عبر إدراج معطيات أكثر تفصيلاً حول التوقعات الاقتصادية واستدامة المالية العمومية على المدى البعيد. كما شدد على ضرورة تسهيل الولوج إلى المعلومات، سواء من خلال جعل الموقع الإلكتروني لوزارة الاقتصاد والمالية متاحاً للمغاربة المقيمين بالخارج دون قيود، أو عبر تحسين جودة الوثائق المنشورة بما يتيح تصفحها بشكل سلس.

وبين مؤشرات التقدم الجزئي وحدود الشفافية والمشاركة، يكشف هذا التقرير عن مفارقة قائمة في تدبير المالية العمومية بالمغرب: إرادة معلنة للانفتاح، تقابلها ممارسات لا تزال دون مستوى الانتظارات، في وقت أصبح فيه إشراك المواطن في القرار الميزانياتي شرطاً أساسياً لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ أسس الحكامة الجيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى