من الدولة الاجتماعية إلى “الفراقشية”.. السنتيسي يفكك أرقام حصيلة الحكومة

حسين العياشي
انطلقت، اليوم الثلاثاء بمجلس النواب، جلسة مناقشة الحصيلة الحكومية في لحظة سياسية دقيقة تسبق نهاية الولاية التشريعية، حيث تحولت القاعة إلى فضاء للمساءلة المكثفة، ليس فقط لأرقام وأوراق رسمية، بل لمدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمغاربة. وفي مستهل هذا النقاش، وضع إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، الإطار العام للمرافعة، معتبراً أن اللحظة دستورية بامتياز، وأن الحكم النهائي سيبقى للمواطن، باعتباره المستفيد الأول أو المتضرر المباشر من حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي.
واستهل السنتيسي تدخله بسلسلة من الأسئلة التي وصفها بالبديهية، لكنها في عمقها تختزل جوهر التقييم: ماذا تغيّر فعلاً في حياة المغاربة؟ هل تحقق الحد الأدنى من الرفاه والأمل الذي وُعد به المواطنون سنة 2021؟ وهل نجحت الحكومة في تحويل تعهداتها الانتخابية إلى واقع ملموس؟ أسئلة بدت، في سياق العرض، أقرب إلى مساءلة سياسية صريحة لأثر السياسات، بعيداً عن لغة الأرقام المجردة.
وفي مقابل ذلك، حرص المتحدث على التأكيد أن موقع المعارضة لا يعني التنكر لكل ما تحقق، مشيراً إلى أن الفريق الحركي ظل ملتزماً بنهج النقد البناء، بعيداً عن التشويش أو المزايدات، وأنه ساند في محطات عدة مشاريع استراتيجية تخدم الصالح العام، دون ربط المواقف بالمواقع. غير أنه شدد على أن جزءاً من الإنجازات المعروضة اليوم لا يمكن فصله عن تراكمات حكومية سابقة، ما يفرض قراءة أكثر دقة للحصيلة بدل تقديمها كمنجزات آنية خالصة.
وبين عرض الأرقام الرسمية ووقعها في الواقع، برزت فجوة اعتبرها السنتيسي جوهر الإشكال، خاصة في ما يتعلق بالقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، متسائلاً عن مدى انسجام المؤشرات المقدمة مع معيش المغاربة اليومي. كما طرح تساؤلات حول جودة فرص الشغل المحدثة، وما إذا كانت ترقى إلى مستوى الوعود التي رافقت بداية الولاية، مميزاً بين “مناصب الشغل” و”فرص الشغل” التي تظل في كثير من الأحيان هشة ومؤقتة.
وفي قطاع الصحة، توقف عند الخصاص الحاد في الموارد البشرية، خاصة داخل المستشفيات العمومية، معتبراً أن هذا الواقع يفرض التفكير في حلول غير تقليدية، من بينها الانفتاح على الأطباء الأجانب، مستحضراً تجارب دولية مثل فرنسا التي تستعين بعشرات الآلاف من الكفاءات الطبية الأجنبية لسد هذا الخصاص.
أما في قطاع التعليم، فقد أعاد السنتيسي طرح إشكال السكن الجامعي، خاصة بالنسبة للطالبات القادِمات من المناطق القروية، متسائلاً عن جدوى السياسات الحالية في ظل محدودية العرض وارتفاع تكاليف الكراء، ومقترحاً التفكير في آليات دعم مباشر موجهة لهذه الفئة لضمان تكافؤ الفرص.
وعلى صعيد السياسات الاجتماعية، لم يُخفِ المتحدث تحفظه على أثر الدعم المباشر، معتبراً أن الأرقام المقدمة تظل دون انعكاس فعلي على أرض الواقع، خاصة في ما يتعلق بدعم مستوردي اللحوم والمواشي، وهو الملف الذي دعا بشأنه إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لكشف ملابسات توجيه هذا الدعم ونجاعته. وأثار في هذا السياق مسألة عرقلة إحداث هذه اللجنة، مطالباً بإعادة طرحها لكشف حقيقة ما وصفه بـ”الفراقشية” أمام الرأي العام.
وامتد النقد إلى الحصيلة التشريعية، حيث سجل السنتيسي مفارقات اعتبرها لافتة، من بينها رفض مقترح قانون يهم منع السجائر الإلكترونية رغم خطورتها المتزايدة في صفوف الشباب، في مقابل إدراج مقتضيات مقترحات أخرى ضمن مشاريع حكومية لاحقة، وإن كانت قد رفضت حينما تقدم بها الفريق الحركي، ما يطرح، بحسب تعبيره، سؤال الازدواجية في التعاطي مع المبادرات التشريعية.
كما توقف رئيس الفريق، عند سحب سبعة مشاريع قوانين من البرلمان دون تقديم بدائل لها، معتبراً أن هذا السلوك يطرح إشكالاً في استمرارية العمل التشريعي. وعلى مستوى الرقابة البرلمانية، كشف أن الفريق الحركي تقدم بآلاف الأسئلة الكتابية، ظل جزء مهم منها دون جواب، رغم الطابع الإلزامي لهذه الآلية في النظام الدستوري.
وفي خضم هذا التقييم، أعاد السنتيسي طرح سؤالين مركزيين اعتبرهما خارج النقاش العمومي رغم أهميتهما: ملف الأسعار، ومخطط “المغرب الأخضر”، الذي رأى أنه لم يحقق الهدف الأساسي المرتبط بالأمن الغذائي، مستدلاً بواقع الأسواق الذي يعكس، في نظره، اختلالات بنيوية لا تحتاج إلى دراسات لإثباتها.
ولم يغفل المتحدث التوقف عند ورش “الدولة الاجتماعية”، الذي اعتبر أنه لم يُستكمل وفق ما ينص عليه القانون الإطار 09.21، مشيراً إلى أن ركيزتين أساسيتين، هما إصلاح أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، لا تزالان مؤجلتين، في حين أن الركيزتين الأخريين، المتعلقتين بالتغطية الصحية والدعم المباشر، لا تزالان تعانيان من اختلالات في الاستهداف، من بينها إقصاء فئات مستحقة مثل بعض الأرامل.
وفي خاتمة مداخلته، عاد السنتيسي إلى جوهر الالتزامات الحكومية الكبرى، متسائلاً عن مصير وعود إحداث مليون منصب شغل، وإخراج مليون أسرة من الهشاشة، وتحقيق “مدخول الكرامة”، معتبراً أن المؤشرات الواقعية توحي باتجاه معاكس، حيث تتسع دائرة الهشاشة بدل انحسارها.
وبين لغة الأرقام الرسمية وأسئلة الواقع، بدت جلسة مناقشة الحصيلة الحكومية أقرب إلى محاكمة سياسية مفتوحة، عنوانها الأبرز: هل نجحت السياسات العمومية في إقناع المواطن، أم أن الحكم النهائي سيُكتب خارج جدران البرلمان؟





