المحروقات في قفص الاتهام.. أرقام صادمة وأسئلة محرجة للحكومة

حسين العياشي

يتجدد الجدل في المغرب مع كل موجة ارتفاع جديدة في أسعار المحروقات، لكن ما يثير الانتباه هذه المرة ليس فقط منسوب الزيادة، بل الإيقاع الذي تُنقل به تقلبات السوق الدولية إلى الداخل. فكلما ارتفعت الأسعار عالمياً، انتقلت العدوى بسرعة لافتة إلى محطات الوقود الوطنية، بينما يظل الانخفاض، حين يحدث، بطيئاً أو شبه غائب، في مشهد يعمّق الشكوك حول منطق التسعير وحدود المنافسة داخل قطاع ظل لسنوات موضوع نقاش محتدم.

هذا التفاوت في سرعة التفاعل مع السوق الدولية أعاد طرح سؤال مركزي: هل تعكس الأسعار المطبقة فعلاً كلفة الاستيراد، أم أن هناك هامشاً واسعاً تتحكم فيه اعتبارات أخرى؟ سؤال وجد صداه داخل المؤسسة التشريعية، بعدما اختارت البرلمانية ربيعة بوجة نقل النقاش من دائرة التداول العام إلى مساءلة سياسية مباشرة للحكومة، عبر سؤال كتابي يلامس جوهر اختلالات السوق.

في مضمون هذا السؤال، لا تكتفي النائبة بتوصيف الوضع، بل تذهب إلى تفكيك أرقامه. فحسب المعطيات التي استندت إليها، بلغ متوسط سعر اقتناء المحروقات خلال شهر مارس 2026 نحو 72 دولاراً للبرميل، في حين يُحتسب للمستهلك سعر يعادل 103 دولارات، وهو فارق اعتبرته مؤشراً على تحقيق أرباح وصفتها بـ“غير المبررة”، قاربت 1.8 مليار درهم في فترة وجيزة. أرقام كهذه لا تُقرأ فقط كمعطيات تقنية، بل كمدخل لإعادة طرح سؤال العدالة في توزيع كلفة الطاقة بين الفاعلين والمستهلكين.

ولا تقف هذه القراءة عند حدود المقارنة الرقمية، بل تستحضر خلفية مؤسساتية سبق أن دقّت ناقوس الخلل داخل القطاع. فمجلس المنافسة كان قد سجّل في تقاريره اختلالات بنيوية مرتبطة بتركيز اقتصادي مقلق، في حين نبّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى التداعيات الاجتماعية لارتفاع كلفة النقل، باعتبارها عاملاً مضاعفاً للفوارق ومسرّعاً لارتفاع أسعار المواد الأساسية. وبين المؤسستين، تتقاطع المؤشرات لتكشف أن الإشكال يتجاوز ظرفية السوق إلى بنية التنظيم نفسها.

في هذا السياق، تكتسب اللحظة الزمنية لهذه الزيادات دلالة خاصة، إذ تزامنت مع شهر رمضان وعيد الفطر، وهي فترة ترتفع فيها النفقات الأسرية بشكل طبيعي. وهو ما دفع النائبة إلى مساءلة مدى انسجام السياسات العمومية مع مفهوم “الدولة الاجتماعية”، حين يجد المواطن نفسه في مواجهة موجة غلاء جديدة دون آليات حماية ملموسة تخفف من أثرها.

ومن هذا المنطلق، انتقل السؤال البرلماني من التشخيص إلى المطالبة بإجراءات واضحة. فقد دعت بوجة إلى تفعيل الضريبة الاستثنائية على الأرباح غير المستحقة التي تحققها شركات توزيع المحروقات، باعتبارها أداة ممكنة لإعادة توجيه جزء من هذه الأرباح نحو دعم القدرة الشرائية. كما أثارت مسألة عدم اللجوء إلى مقتضيات المادة الرابعة من قانون حرية الأسعار والمنافسة، التي تتيح للحكومة التدخل المؤقت لتسقيف الأسعار في حالات استثنائية تتسم باضطراب السوق.

ولم تغب عن هذا النقاش مسألة تنفيذ توصيات مجلس المنافسة، خاصة تلك المرتبطة بإعادة النظر في بنية الأسعار وضمان شفافية أكبر في تحديدها، بما يسمح بأن ينعكس أي انخفاض في السوق الدولية على المستهلك الوطني بالوتيرة نفسها التي تنتقل بها الزيادات.

هكذا، يتحول ملف المحروقات مرة أخرى إلى مرآة تعكس تعقيدات العلاقة بين السوق والدولة، بين منطق الربح ومتطلبات الحماية الاجتماعية. وبين أرقام تُثير القلق وأسئلة سياسية تنتظر أجوبة واضحة، يظل الرهان قائماً على قدرة السياسات العمومية على استعادة التوازن داخل قطاع لا يحتمل مزيداً من الغموض، في وقت أصبحت فيه كلفة الطاقة أحد أبرز محددات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى