قضية السيمو تطوى قضائيا.. وابنته تكشف كلفة الاتهام خارج أسوار المحكمة

حسين العياشي

أسدلت الغرفة الجنائية لدى محكمة الاستئناف بالرباط، يوم الأربعاء، الستار على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل بمدينة القصر الكبير، بعدما أيدت حكم البراءة الصادر ابتدائياً في حق رئيس المجلس الجماعي محمد السيمو ومن معه، منهية بذلك مساراً قضائياً طويلاً تشابكت فيه الخيوط القانونية مع ظلال السياسة وثقل الرأي العام.

لم يكن القرار الاستئنافي مجرد تثبيت لحكم سابق، بقدر ما جاء ليضع حداً لسنوات من الجدل الذي انطلق منذ سنة 2021، حين تفجّرت القضية على وقع شكايات تقدّم بها فاعلون محليون، أثاروا فيها شبهات حول تدبير مشاريع تنموية وصفقات عمومية، إلى جانب نزاعات عقارية معقدة. ومنذ ذلك الحين، لم تبقِ القضية نفسها حبيسة ملفات القضاء، بل سرعان ما امتدت إلى الفضاء العام، حيث صارت مادة للنقاش اليومي، تختلط فيها المعطيات القانونية بالتأويلات السياسية، وتتشكل فيها القناعات قبل أن تستكمل العدالة مسارها.

ورغم جسامة التهم التي واكبت انطلاق المتابعة، والتي شملت اختلاس وتبديد أموال عمومية والاستفادة غير المشروعة من مشاريع خاضعة للإشراف، فإن مسار المحاكمة، في مرحلتيه الابتدائية والاستئنافية، انتهى إلى النتيجة ذاتها: غياب أدلة كافية للإدانة. وهي الخلاصة التي رجّحت كفة البراءة، في مقابل إصرار ممثل النيابة العامة على تشديد العقوبات خلال أطوار المحاكمة، في مشهد عكس التوتر الطبيعي بين منطق الاتهام ومعيار الإثبات القضائي.

غير أن هذا الحكم، على أهميته القانونية، لم يكن حدثاً قضائياً خالصاً، بل حمل في طياته وجها إنسانيا نادرا ما يظهر في منطوق الأحكام. فقد اختارت النائبة البرلمانية زينب السيمو، ابنة رئيس المجلس، أن تخرج عن صمت امتد لسنوات، لتروي جانباً من الكلفة الخفية التي لا تُقاس بمحاضر الجلسات ولا تُختزل في حيثيات الأحكام.

بكلمات مشبعة بثقل التجربة، استحضرت زينب السيمو ما وصفته بسنوات من الضغط النفسي والاختبار اليومي، حيث لم تكن القضية، بالنسبة إليها، مجرد ملف قضائي، بل واقعا معيشا تُلاحقها فيه نظرات الشك وتثقل كاهلها الأحكام المسبقة. تحدثت عن قسوة العبارات التي واجهتها في الفضاء العام، وعن لحظات ترددت فيها بين الاستمرار في العمل السياسي أو الانسحاب، حين بدا أن الاتهام يطغى على كل ما عداه، دون أن يترك مجالاً لانتظار كلمة القضاء.

ومع ذلك، لم تُخف تمسكها بخيط الثقة في مؤسسات الدولة، معتبرة أن طول المسار لم يكن سوى امتحان للإيمان بدولة الحق والقانون، حيث قد يتأخر الإنصاف، لكنه لا يمحى. وحين صدر الحكم، بدا في تعبيرها أن البراءة لم تكن مجرد انتصار قانوني، بل استعادة لمعنى الكرامة، وعودة لاسم ظل مثقلاً بظلال الاتهام قبل أن ترفعه كلمة القضاء.

ولم تغب الإشارات السياسية عن هذا التفاعل، إذ وجّهت النائبة البرلمانية نقدا ضمنيا لما اعتبرته انزلاقاً في توظيف القضاء لتصفية الخلافات، داعية إلى إعادة النقاش السياسي إلى فضائه الطبيعي، حيث يُحسم التنافس عبر صناديق الاقتراع لا عبر ردهات المحاكم. كما عبّرت عن امتنانها لكل من اختار الوقوف إلى جانب عائلتها، مؤكدة أن الدعم المعنوي كان سندا خفّف من وطأة تجربة قاسية امتدت لسنوات.

وبين حكم قضائي أغلق ملفا شائكا، وصوت إنساني كشف ما لا تقوله الوثائق، تتقاطع في هذه القضية أبعاد متعددة يصعب فصلها، قانون يُحسم بمنطق الدليل، وسياسة تُحرّكها الحسابات، وتجربة شخصية تختزنها الذاكرة. ومع عودة الهدوء إلى المشهد المحلي، يبقى الأثر قائما، ليس فقط في مدينة عاشت على إيقاع هذا الملف، بل في نقاش أوسع حول حدود المساءلة، وخطورة الأحكام المسبقة، وضرورة أن تظل الكلمة الأخيرة دائماً للعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى