حين يتحول الخطاب الحكومي إلى مظلة لارتفاع الأسعار

بشرى عطوشي

رأي _ إنها لحظة اقتصادية دقيقة يئن فيها المواطن المغربي تحت وطأة غلاء المعيشة، تجعل من غير المقبول أن يخرج الخطاب الحكومي بلغة رمادية أو ملتبسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسوق حساس كسوق المواشي.

الكلمة الصادرة من رئيس الحكومة ليست مجرد رأي، بل إشارة تُقرأ في السوق كاتجاه عام ، وقد تتحول في لحظات التوتر إلى عامل مؤثر في سلوك الفاعلين الاقتصاديين.

ما يثير القلق اليوم ليس فقط استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي، بل ذلك الانطباع المتزايد بأن الخطاب الرسمي لم يعد يشكل عنصر توازن يطمئن المستهلك، بقدر ما يُفهم أحياناً كمساحة تأويل تسمح بتغليب منطق السوق المنفلت.

حين يغيب الحزم في توصيف ظاهرة الوسطاء والمضاربين، وحين لا تُقابل التحولات في الأسعار بخطاب واضح وصارم يحدد المسؤوليات، فإن الرسالة التي تترسخ داخل السوق تكون ملتبسة، وتُقرأ في كثير من الأحيان كغياب لإشارة الردع.

هذا الواقع يطرح سؤالاً أعمق: هل لا يزال الخطاب الحكومي قادراً على لعب دوره في ضبط التوازنات، أم أنه فقد جزءاً من تأثيره لصالح ديناميات السوق؟ لأن إدارة ملف بهذه الحساسية لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ“إدارة التوقعات”، حيث تصبح الكلمة السياسية عاملاً من عوامل التوجيه، تماماً كما هي القرارات والإجراءات.

في هذا السياق، يستحضر متتبعون القرار المرتبط بإلغاء شعيرة الذبح في السنة الماضية، والذي فُهم على نطاق واسع كإشارة اجتماعية قوية هدفها تخفيف الضغط عن الأسر المغربية، وجعل كلفة الأضحية في متناول المواطن العادي، خصوصاً الفئات الهشة والمتوسطة.

كان ذلك القرار يحمل بعداً واضحاً: حماية التوازن الاجتماعي في لحظة حساسة، وتوجيه غير مباشر نحو عقلنة السوق.
غير أن المفارقة التي تطرح نفسها اليوم تكمن في الفجوة بين هذا التوجه وبين ما يَظهر في الممارسة من استمرار التوتر داخل السوق.

فبدل أن يترسخ منطق التهدئة، لا يزال الإحساس العام يسير في اتجاه مغاير، حيث يشعر المواطن أن الأسعار تنفلت من أي سقف منطقي، وأن آليات الضبط لا تواكب حجم التحدي.

المشكلة هنا لا تختزل في شخص أو تصريح بعينه، بل في منظومة خطاب وسياسات لم تنجح بعد في تقديم رواية اقتصادية متماسكة تُقنع المواطن وتؤطر سلوك السوق في آن واحد.

هذا الفراغ يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، ويُغذي شعوراً عاماً بأن المواطن تُرك وحيداً في مواجهة تقلبات لا يملك أدوات التحكم فيها.

في مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تتحرك لجان المراقبة أو تُصدر بلاغات ظرفية، بل يصبح من الضروري استعادة وضوح الخطاب السياسي، باعتباره أداة أساسية من أدوات الاستقرار، لأن السوق، في نهاية المطاف، لا يستجيب فقط لقانون العرض والطلب، بل أيضاً لما يصدر عن مراكز القرار من إشارات.

استعادة الثقة اليوم تمر عبر خطاب صريح، حازم، ومفهوم، ينحاز بوضوح لحماية القدرة الشرائية، ويضع حدوداً لأي ممارسات تُثقل كاهل المواطن، دون ذلك، سيظل الإحساس العام بأن هناك فجوة بين ما يُنتظر من الدولة وما يتحقق فعلياً، وهي فجوة لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بدرجة الثقة التي تتآكل بصمت.

في النهاية، لا تكمن خطورة المرحلة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الارتفاع، خطاباً وسياسةً. لأن المواطن لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن إشارات واضحة تؤكد أن صوته حاضر في معادلة القرار، وأن توازن السوق ليس متروكاً بالكامل لقوى لا ترى فيه سوى فرصة للربح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى