على ضفاف أبي رقراق.. الريادة الملكية تعيد رسم المشهد الثقافي والعمراني

بشرى عطوشي

يشكل المسرح الملكي بالرباط اليوم أحد أبرز تجليات التحول الثقافي والعمراني الذي تعرفه المملكة، باعتباره ترجمة مادية لرؤية استراتيجية متكاملة قوامها الاستثمار في الثقافة كرافعة للتموقع الدولي وأداة لإعادة تشكيل المجال الحضري والاقتصادي. هذا الصرح لا يمكن قراءته كمنشأة معمارية فقط، بل كحلقة ضمن مشروع دولة تقوده إرادة ملكية واضحة المعالم، تمتد من التصور الأولي إلى أدق تفاصيل التنفيذ.

منذ انطلاق الفكرة، ارتبط المشروع بتوجه يقوده جلالة الملك محمد السادس يقوم على إعادة تعريف دور الثقافة داخل النموذج التنموي، ليس بوصفها نشاطاً مكملاً، بل قطاعاً منتجاً للقيمة ومؤثراً في صورة البلاد خارجياً. هذا التموقع تُرجم إلى اختيارات دقيقة، من بينها استقطاب توقيع معماري عالمي متمثل في زها حديد، بما يعكس إرادة ترسيخ معايير دولية منذ لحظة التصميم.

غير أن هذه الرؤية لا تقف عند حدود المسرح، بل تمتد إلى مشروع عمراني متكامل على ضفتي أبي رقراق، حيث يبرز أيضاً برج محمد السادس كمعلمة حديثة تُجسد طموح الارتقاء بالأفق الحضري للمغرب إلى مصاف العواصم العالمية. هذا التكامل بين الثقافة والعمارة العمودية يعكس تصوراً استراتيجياً لا يشتغل بمنطق المشاريع المعزولة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة التي تعيد تشكيل المجال وتضاعف جاذبيته الاستثمارية.

في عمق هذا الورش، يبرز عنصر التتبع الحثيث كأحد المفاتيح الحاسمة. فحضور الإرادة الملكية لم يكن رمزياً أو مناسباتياً، بل اتخذ طابع المواكبة الدقيقة لمراحل الإنجاز، في دلالة على أن كل تفصيل—من وضع حجر الأساس إلى اللمسات الأخيرة—يخضع لمنطق الجودة والالتزام بالمعايير المرسومة. هذا النمط من القيادة يفسر كيف تحولت مشاريع معقدة إلى معالم قائمة دون الانزلاق إلى اختلالات بنيوية أو تعثرات مزمنة.

ضمن هذا السياق، تتضح الفوارق بين منطق الرؤية الاستراتيجية ومنطق التدبير الظرفي. فلو لم تتوفر هذه الإرادة الملكية السامية، التي تضع سقفاً عالياً للتخطيط والتتبع، لظلت العديد من المشاريع رهينة مقاربات جزئية، وربما عرضة لاختلالات في الحكامة أو تباطؤ في التنفيذ. التجربة المغربية في تهيئة ضفتي أبي رقراق تقدم مثالاً على كيف يمكن للرؤية المركزية الصارمة أن تضبط الإيقاع، وتوجه الفاعلين نحو نتائج ملموسة بمعايير دولية.

كما أن هذا الحضور الحاسم أعاد توجيه دينامية الاستثمار داخل الفضاءات الجديدة، بحيث أصبحت مشاريع مثل المارينا امتداداً لمنطق تنموي منظم يستهدف استقطاب مستثمرين قادرين على خلق قيمة مضافة، بدل الانزلاق نحو استعمالات ظرفية أو توظيفات ضيقة لا تنسجم مع الطموح الحضاري للمجال. إنها مقاربة تُحوّل الفضاء من مجرد عقار قابل للاستغلال إلى رافعة اقتصادية وهيكلية ضمن مشروع مدينة حديثة.

وفي سياق متصل، تكشف المعطيات المرتبطة بتمويل المشروع عن بعد سيادي واضح؛ إذ إن إنجاز المسرح الملكي بالرباط تم بتمويل مغربي خالص قُدّر بحوالي مليار و677 مليون درهم، ما يعزز كونه مشروعاً وطنياً من حيث القرار والتمويل والتنفيذ. أما الحضور الفرنسي الذي طبع بعض محطات الافتتاح، من خلال مشاركة شخصيات مثل رشيدة داتي وأودري أزولاي وبريجيت ماكرون، فيندرج ضمن بعد دبلوماسي وثقافي يعكس عمق العلاقات الثنائية، دون أن يرتقي إلى مستوى مساهمة مالية أو استثمار مباشر في المشروع. وبذلك، يتأكد أن هذا الصرح يعكس سيادة القرار الثقافي المغربي، مع انفتاح مدروس على الشراكات الرمزية ذات البعد الدولي.

تدشين هذه المعالم لا يمثل نهاية مسار، بل يؤشر على بداية مرحلة جديدة تُوظف فيها الثقافة والعمارة كأدوات سيادية لتعزيز القوة الناعمة للمغرب. وبهذا المعنى، فإن ما تحقق على ضفاف أبي رقراق ليس فقط إنجازاً عمرانياً، بل تجسيد عملي لرؤية ملكية جعلت من الالتقائية بين التخطيط الاستراتيجي، جذب الاستثمار، والتتبع الدقيق، مدخلاً لبناء نموذج حضري قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى