وفرة القطيع لا تُطفئ الأسعار.. من يوقف نزيف جيوب المغاربة؟

حسين العياشي
يفضحُ ملفُّ أسعارِ اللحومِ الحمراء في المغرب، مرةً أخرى، اختلالاً بنيوياً لم تعد الأرقام قادرةً على إخفائه، ولا التبريرات الرسمية على احتوائه. فحين تستقرّ الأسعار عند عتبة تتراوح بين 120 و150 درهماً للكيلوغرام، لا يعود الأمر مجرّد تقلبٍ ظرفي في السوق، بل يتحول إلى مؤشر صريح على خللٍ في السياسات العمومية، وعلى فجوةٍ آخذة في الاتساع بين كلفة العيش وقدرة المواطن على تحمّلها.
المفارقة التي تزيد هذا المشهد حدّة، أن هذا الارتفاع يأتي في سياق تدخّل مالي غير مسبوق من طرف الحكومة، رُصد له ما يقارب 13 مليار درهم، في شكل دعم مباشر للمستوردين وإعفاءات ضريبية وجمركية، قُدّمت على أنها إجراءات استعجالية لضمان وفرة العرض وكبح جماح الأسعار. غير أن ما حدث في الواقع كان عكس ذلك تقريباً: الأسعار واصلت صعودها، فيما ظل أثر الدعم غائباً عن موائد المغاربة، وكأن المال العام سلك مساراً آخر لا يمر عبر جيوب المستهلكين.
هذا التناقض الصارخ لم يبقَ حبيس النقاش العمومي، بل شقّ طريقه إلى المؤسسة التشريعية، حيث اختارت النائبة البرلمانية ربيعة بوجة أن تضع الملف في صلب المساءلة المباشرة للحكومة. وفي سؤال كتابي، بدا أقرب إلى مساءلة سياسية مفتوحة، تساءلت بوضوح عن جدوى هذا الدعم الضخم الذي لم يُترجم إلى انخفاض ملموس في الأسعار، وعن الأسباب التي تجعل السوق قادرا على امتصاص أي تدخل عمومي وتحويله إلى أرباح إضافية لفائدة فاعلين بعينهم.
غير أن قوة هذا السؤال لا تكمن فقط في حدّته، بل في السياق الذي جاء فيه؛ فهو يستند، بشكل ضمني، إلى معطيات أعمق كشفتها تقارير حديثة، من بينها تقرير مرصد العمل الحكومي، الذي سجّل بوضوح أن واحدة من أبرز نقاط تعثر السياسات العمومية خلال هذه الولاية هي تآكل القدرة الشرائية واستمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، وعلى رأسها اللحوم. إذ يؤكد التقرير أن موجة التضخم، التي بلغت مستويات قياسية، لم تُقابل بآليات ضبط فعالة داخل بعض سلاسل التوزيع، ما جعل أثر الدعم محدوداً، بل شبه غائب في إدراك المواطن اليومي.
في هذا الإطار، لا يبدو ارتفاع أسعار اللحوم حادثاً معزولاً، بل حلقة ضمن سلسلة اختلالات أوسع؛ فالتقرير نفسه يتحدث عن مفارقة لافتة، أوراش اجتماعية كبرى واستثمارات عمومية ضخمة، مقابل أثر اجتماعي محدود لا ينعكس بالشكل الكافي على معيش المواطنين. وهي المفارقة ذاتها التي يعيد سؤال بوجة طرحها، ولكن من زاوية أكثر حدة “أين يتبخر أثر السياسات حين تصل إلى السوق؟”
الأخطر من ذلك، أن النقاش لم يعد محصوراً في حدود النجاعة الاقتصادية، بل انزلق إلى منطقة أكثر حساسية تتعلق بالثقة؛ فالإشارات التي أوردها السؤال البرلماني بشأن شبهات تبديد أو سوء توجيه للدعم العمومي، في ظل حديث عن تحقيقات باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية حول صفقات استيراد، تضفي على الملف بعداً آخر يتجاوز الغلاء إلى مساءلة الحكامة نفسها. هنا، لا يعود الأمر مجرد خلل في السوق، بل احتمال خلل في كيفية تدبير المال العام.
ويعزز هذا المنحى ما أورده تقرير المرصد من استمرار مظاهر الريع وضعف الأثر الملموس لمحاربة الفساد وتضارب المصالح، مع تسجيل كلفة اقتصادية مرتفعة لهذه الظواهر، وتأثيرها المباشر على فعالية السياسات العمومية، خاصة تلك المرتبطة بالدعم والأسعار. وهو ما يجعل من الصعب فصل غلاء اللحوم عن بنية سوق قد تسمح بامتصاص الدعم وإعادة توجيهه بعيداً عن هدفه الاجتماعي.
إن ما يكشفه هذا التداخل بين المعطى البرلماني والتقييم المؤسساتي، هو أن الإشكال لم يعد في نقص الموارد أو غياب التدخل، بل في طبيعة هذا التدخل ذاته: كيف يُصمم؟ كيف يُراقب؟ ولمن يصل في النهاية؟ فالدعم، مهما كان حجمه، يفقد معناه حين يتحول إلى رقم في الميزانية بدل أن يكون أثراً في حياة الناس.
في النهاية، لا يختزل ملف اللحوم في كونه أزمة أسعار عابرة، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض قواعد عادلة داخل سوق حساس، وعلى حماية التوازن بين منطق الربح ومتطلبات الأمن الغذائي. وبين سؤال برلماني يطالب بالأجوبة، وتقرير يرصد فجوة الأثر، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة المعنى؛ وأن يشعر المواطن، فعلاً، بأن السياسات العمومية وُجدت من أجله، لا من حوله.





