الغلاء يفضح فشل سياسة الحكومة.. والسوق يلتهم جيوب المواطنين

مديحة المهادنة: صحافية متدربة

تآكل القدرة الشرائية يمثل اليوم أحد أكثر مظاهر الخلل في المشهد الاقتصادي و الاجتماعي، و بحسب تقرير مرصد العمل الحكومي فارتفاع الاسعار  لم يعد مجرد انعكاس ظرفي ، بل تحول إلى حالة متواصلة تكشف حدود السياسات العمومية في حماية المواطن من تقلبات السوق.

فبين خطاب رسمي يركز على الإصلاحات وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وواقع يومي يزداد فيه الضغط المعيشي، تتسع هوة الثقة ويترسخ شعور عام بأن التحسن المعلن لا يجد طريقه إلى حياة الناس الفعلية. 

المفارقة الأساسية أن الحديث عن الإصلاحات الاجتماعية والدعم لم ينجح في تغيير الإحساس العام لدى الأسر، التي تجد نفسها أمام كلفة معيشية متصاعدة تفوق بكثير قدرتها على التكيف. فالمواد الأساسية والخدمات الحيوية لم تعد تخضع لمنطق الاستقرار، بل لمنطق الارتفاع المتكرر، ما جعل الاستهلاك اليومي يتقل كاهل المواطن بدل أن يكون فعلاً عادياً مرتبطاً بالحاجات الطبيعية. 

كما يكشف هذا الوضع عن ضعف واضح في آليات ضبط السوق، حيث تبدو سلاسل التوزيع وكأنها تشتغل بمنطق غير متوازن، يسمح بانتقال غير مبرر للتكاليف نحو المستهلك النهائي. كما أن التدخلات الحكومية، رغم تعددها، بقيت أقرب إلى إجراءات تخفيفية مؤقتة، أكثر منها معالجة جذرية لبنية الاختلالات التي تتحكم في الأسعار. 

الأخطر في هذه المعادلة أن الفئات المتوسطة والهشة، التي لا تستفيد بشكل مباشر من شبكات الدعم، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع مستمر في كلفة العيش دون أي حماية فعلية من تقلبات السوق. وهو ما عمّق الإحساس بعدم التوازن بين السياسات الاجتماعية المعلنة وبين أثرها الواقعي فلا يمكن اختزال هذا التآكل في عوامل خارجية فقط، لأن جزءاً كبيراً منه يرتبط بضعف نجاعة التدخل في ضبط المضاربات، وببطء إصلاح منظومة التوزيع، وبغياب رؤية أكثر صرامة في إعادة تنظيم السوق بما يضمن عدالة الأسعار.  

لم تعد القدرة الشرائية مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبحت معياراً اجتماعياً مباشراً لقياس مصداقية السياسات العمومية. وبين لغة المؤشرات ولغة الواقع، تتسع مساحة الفجوة، وتبقى القدرة الشرائية هي المعيار الأكثر صدقاً في الحكم على مدى نجاح السياسات العمومية في ملامسة حياة المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى