بعد صدمة الزيادات.. أسعار المحروقات تتراجع! من الرابح ومن الخاسر؟

حسين العياشي

سجّلت أسعار المحروقات في المغرب منعطفاً جديداً مع بداية شهر ماي، بعدما اتجهت شركات التوزيع نحو مراجعة أسعارها نزولاً، في أول تراجع يُعلن عنه منذ موجة الارتفاعات القوية التي فجّرتها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأسابيع الماضية.

فابتداءً من منتصف ليلة فاتح ماي، يرتقب أن ينخفض سعر الغازوال بحوالي درهم واحد للتر ليستقر في حدود 14,50 درهماً، بعدما كان قد بلغ نحو 15,50 درهماً في بعض المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء. كما يُتوقع أن يسلك البنزين المسار نفسه، بتراجع يُقدّر بـ1,10 درهم، ليستقر في حدود 14,40 درهماً للتر، في خطوة تمنح المستهلكين متنفساً نسبياً بعد فترة ضغط غير مسبوقة على ميزانيات الأسر.

غير أن هذا التراجع، رغم أهميته الرمزية، لا يعكس بالضرورة عودة حقيقية إلى مستويات “مريحة”، بقدر ما يمثل تصحيحاً جزئياً بعد موجة ارتفاع حادة. فمنذ اندلاع التوترات في الشرق الأوسط، قفز سعر الغازوال بأكثر من 4,70 دراهم للتر، فيما ارتفع البنزين بحوالي 3 دراهم، وهي زيادات متتالية راكمت عبئاً ثقيلاً على القدرة الشرائية، وامتدت آثارها إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من النقل إلى الإنتاج، وصولاً إلى أسعار المواد الأساسية.

وبين من يرى في هذا الانخفاض بداية انفراج تدريجي، ومن يعتبره مجرد “تصحيح تقني” لا يرقى إلى حجم الارتفاعات السابقة، يعود النقاش مجدداً حول منطق تشكّل الأسعار في سوق المحروقات بالمغرب، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة لما يُوصف بسرعة انتقال الزيادات العالمية إلى السوق الوطنية، مقابل بطء ملحوظ في عكس الانخفاضات على الأسعار الداخلية.

هذا التفاوت في الإيقاع يطرح، مرة أخرى، سؤال الشفافية في تسعير المحروقات، وحدود تدخل الدولة في سوق تم تحريره منذ سنوات، لكنه لا يزال يُثير جدلاً واسعاً كلما شهدت الأسعار تقلبات حادة. فالمستهلك المغربي، الذي تحمّل كلفة الارتفاعات بسرعة، ينتظر اليوم أن يستفيد بنفس الوتيرة من تراجع الأسعار في الأسواق الدولية، وهو انتظار لا يخلو من قدر من الحذر، بالنظر إلى تجارب سابقة لم تنعكس فيها الانخفاضات بالشكل الكامل أو السريع.

في العمق، يكشف هذا التطور أن سوق المحروقات بالمغرب لا يتحرك فقط وفق منطق العرض والطلب، بل يتأثر أيضاً بعوامل مرتبطة بالبنية التنظيمية للسوق، ومستوى المنافسة، وآليات المراقبة، فضلاً عن غياب أدوات قوية لضبط التوازن بين مصالح الفاعلين وحماية المستهلك.

ومع كل موجة ارتفاع أو انخفاض، يتجدد النقاش حول الحاجة إلى مقاربة أكثر توازناً، لا تكتفي بتتبع تقلبات السوق الدولية، بل تسعى إلى بناء منظومة وطنية قادرة على امتصاص الصدمات، وضمان حد أدنى من الاستقرار في الأسعار، بما يخفف من هشاشة القدرة الشرائية أمام تقلبات لا يتحكم فيها المواطن، لكنه يؤدي كلفتها بشكل مباشر.

في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة، يبقى هذا التراجع خطوة أولى في مسار لا يزال غامضاً، بين أمل بانفراج تدريجي، وواقع سوق لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى