البطالة والتشغيل.. مؤشر جديد للمندوبيةالسامية للتخطيط يغير قراءة سوق الشغل

مديحة المهادنة : صحافية متدربة 

تقرير_ أعادت المندوبية السامية للتخطيط رسم صورة سوق الشغل بالمغرب من زاوية أكثر اتساعا، بعدما كشفت نتائج البحث الجديد حول اليد العاملة لسنة 2026 عن مؤشر مركب يرصد حجم ضعف إستعمال اليد العاملة، بما يتجاوز القياس التقليدي لنسبة البطالة.

ففي الوقت الذي إستقر فيه معدل البطالة، وفق التعريف الصارم، عند 10,8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، يكشف المؤشر الموسع أن 22,5 في المائة من السكان النشيطين بمفهومه الواسع يعانون إما من البطالة، أو من الشغل الناقص، أو يوجدون على هامش سوق العمل رغم توفرهم المحتمل على قدرة للمساهمة الإقتصادية.

هذا المعطى لا يقدم رقما جديدا فقط، بل يغير طريقة فهم وضعية التشغيل بالمغرب. فالإشكال لم يعد محصورا في عدد العاطلين الباحثين عن عمل، بل يمتد إلى فئات تشتغل أقل مما ترغب، أو لا تتمكن من الولوج الفعلي إلى سوق الشغل، ما يكشف عن ضغط إجتماعي وإقتصادي ظل في كثير من الأحيان مخفيا خلف المؤشرات الكلاسيكية.

وتأتي هذه القراءة الجديدة في سياق مراجعة منهجية أطلقتها المندوبية، تقوم على إعتماد تعريف أكثر دقة للبطالة، يقتصر على الأشخاص الذين لا يتوفرون على عمل، والقادرين عليه، والباحثين عنه بشكل فعلي. كما تم حصر مفهوم التشغيل في الأنشطة المؤدى عنها أو الموجهة لتحقيق ربح، مع إستبعاد بعض أشكال الأنشطة غير المؤطرة أو المرتبطة بالإستهلاك الذاتي.

غير أن أهمية هذا التحول تكمن أساسا في توسيع زاوية التحليل،وهو ما يسمح بقياس أعمق للتوترات التي يعرفها سوق العمل بذلك، يصبح التشخيص أكثر صرامة، لكنه أيضا أكثر قربا من الواقع اليومي للمواطنين.

وتبرز الأرقام كذلك إستمرار ضعف المشاركة في سوق الشغل، حيث لا يتجاوز معدل المشاركة 41,8 في المائة، ما يعني أن جزءا واسعا من السكان في سن العمل لا يزال خارج الدورة الإقتصادية. وتبدو الفجوة أكثر وضوحا لدى النساء، إذ لا يتعدى معدل مشاركتهن 17,5 في المائة، مقابل 66,4 في المائة لدى الرجال، في مؤشر على إختلال بنيوي يحد من قدرة الإقتصاد الوطني على استثمار كامل طاقته البشرية.

وعلى مستوى القطاعات، تؤكد المعطيات إستمرار هيمنة الخدمات، التي تستوعب حوالي 49,1 في المائة من مناصب الشغل، بينما تظل الفلاحة مكونا أساسيا في الوسط القروي. غير أن هذه البنية تعكس إقتصادا بسرعتين: مدن تعتمد أكثر على الخدمات، ومجالات قروية مرتبطة بأنشطة غالبا ما تبقى هشة ومعرضة للتقلبات المناخية والإقتصادية.

أما الشباب والنساء فيظلان في صدارة الفئات الأكثر تأثرا بإختلالات سوق الشغل. فمعدل البطالة لدى الشباب ما بين 15و24 سنة يصل إلى 29,2 في المائة، بينما يرتفع معدل ضعف إستعمال اليد العاملة في صفوفهم إلى 45,3 في المائة، وهو ما يؤكد أن الإدماج المهني للشباب ما زال أحد أعقد التحديات المطروحة. في المقابل، تواجه النساء وضعا مركبا يجمع بين ضعف الولوج إلى سوق الشغل وإرتفاع البطالة واتساع الهشاشة المهنية.

كما كشفت المؤشرات عن تفاوتات مجالية واضحة، حيث سجلت  بعض الجهات مستويات أفضل من حيث المشاركة والتشغيل، مثل الداخلة وادي الذهب وطنجة تطوان الحسيمة، مقابل جهات أخرى تعرف معدلات بطالة مرتفعة، من بينها جهة الشرق وكلميم واد نون. وهو ما يؤكد أن سوق الشغل المغربي لا يتحرك بالوتيرة نفسها في مختلف المناطق.

أرقام المندوبية  كشفت معضلة الشغل في المغرب أكبر من البطالة المعلنة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الإمكانات البشرية المعطلة أو غير المستعملة بشكل كامل إلى قوة إنتاجية فعلية، قادرة على دعم النمو وتحسين شروط العيش .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى