باحثون يناقشون الهجرة النسائية بإفريقيا.. من الدوافع الاقتصادية إلى تحديات الحماية

أميمة حدري

خبر_ احتضن رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لقاء علميا خصص لمناقشة كتاب “الهجرات النسائية الجديدة في أفريقيا: المحددات والديناميات”، في إطار نقاش أكاديمي تناول التحولات التي باتت تطبع ظاهرة الهجرة النسائية على مستوى القارة الإفريقية.

وعرف هذا اللقاء مشاركة باحثين وإعلاميين وفاعلين مدنيين، حيث انصبت المداخلات على تحليل أنماط الهجرة النسائية المستجدة، من خلال مقاربات متعددة سعت إلى تفكيك دوافعها الاقتصادية والاجتماعية، واستجلاء سياقاتها الإقليمية، إلى جانب الوقوف عند آثارها وانعكاساتها على البنيات الاجتماعية والثقافية داخل بلدان المنشأ والاستقبال.

الهجرة النسائية بإفريقيا.. من البحث عن الفرص إلى إعادة بناء المجتمعات

وفي هذا الصدد، أفاد رشيد بن بيه، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة ابن زهر بأكادير، بأن النقاش حول الهجرات النسائية الجديدة في إفريقيا يندرج ضمن مقاربة علمية تسعى إلى فهم التحولات العميقة التي تعرفها أنماط الهجرة، مبرزا أن هذا المفهوم يحيل على فئات جديدة من النساء المهاجرات اللواتي استفدن من مستويات متفاوتة من التعليم والتمكين، وأصبحن ينظرن إلى الهجرة باعتبارها فرصة للبحث عن آفاق أوسع واكتشاف عوالم جديدة، وليس مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر.

وأوضح بن بيه في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن الهجرة النسائية في صيغتها الجديدة تتجاوز بعدها المكاني لتتحول إلى فعل اجتماعي وثقافي، تنخرط من خلاله المرأة في نقل رساميل اجتماعية وثقافية متعددة إلى مجتمعات الاستقبال، بما يجعلها فاعلا أساسيا في إنتاج التعددية داخل هذه المجتمعات.

وأبرز أن خصوصية هذه الهجرة تكمن في كون المرأة تحمل معها عناصر الهوية الثقافية، وتساهم في إعادة تشكيل الفضاءات الاجتماعية التي تستقر بها، سواء من خلال أنماط العيش أو عبر التفاعلات اليومية التي تعزز قيم التعايش والانفتاح.

وأشار كاتب “الهجرات النسائية الجديدة في أفريقيا: المحددات والديناميات” إلى أن أشكال التلاقي الأولى بين المهاجرات ونساء المجتمع المضيف غالبا ما تتخذ طابعا مرنا وتسامحيا، خاصة في مجالات مهنية واجتماعية مثل التجميل وتصفيف الشعر، حيث تتيح هذه الفضاءات فرصا للتواصل والتقارب، كما تمتد هذه الدينامية إلى مجالات أوسع من بينها الزواج، بما يعزز اندماج النساء المهاجرات داخل النسيج الاجتماعي. معتبرا أن هذا النوع من الهجرة يساهم بشكل واضح في إعادة تشكيل البنيات الثقافية وأنماط الحياة، مقارنة بأنماط أخرى من الهجرة.

وفي هذا السياق، أبرز أن الدراسات المقارنة التي يتضمنها الكتاب، خاصة تلك التي تهم نساء منحدرات من خلفيات دينية وثقافية مختلفة، من بينها مسلمات من دول إفريقية كالسينيغال ومسيحيات، أظهرت قدرة المجتمع المغربي على استيعاب هذه الفئات وإدماجها، مع تمكينها من الحفاظ على خصوصياتها الثقافية والدينية، وهو ما يعزز قيم التعددية والتعايش داخل المجتمع.

كما سجل أن الهجرة النسائية تساهم في تسريع بعض التحولات الاجتماعية داخل المغرب، خاصة تلك المرتبطة ببنية الأسرة ومعطياتها، موضحا أن جزءا مهما من هذه الهجرة يتم في إطار عائلي أو جماعي، وليس فقط في إطار فردي، وهو ما يفرض الانتقال في التحليل من مقاربة تركز على الفرد إلى أخرى تأخذ بعين الاعتبار الجماعة والروابط الاجتماعية التي تؤطر تجربة الهجرة، بما يعكس تعقيد الظاهرة وتعدد أبعادها.

النساء المهاجرات بين هشاشة الوضع ومحدودية الاستفادة من الهجرة

من جهته، أكد بدر الزاهر الأزرق، أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، أن النقاش العلمي حول الهجرة يتجه اليوم نحو تسليط الضوء على بعد ظل لسنوات في هامش الدراسات، ويتعلق الأمر بالهجرة النسائية. مبرزا أن هذا الحقل لم يحظ بما يكفي من الدراسات السوسيولوجية المعمقة، سواء على مستوى تحليل الدوافع الاقتصادية والاجتماعية المحفزة له، أو من حيث تتبع تحولاته منذ سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم. معتبرا أن الكتاب موضوع النقاش يشكل إضافة نوعية في هذا الاتجاه، من خلال محاولته سد هذا النقص المعرفي وفتح آفاق جديدة للبحث في الظاهرة.

وشدد بدر الزاهر الأزرق في تصريح لـ “إعلام تيفي” على أن هذا العمل العلمي، إلى جانب الجلسة التي خصصت لمناقشته، يثير مجموعة من التساؤلات المرتبطة بواقع الدراسات السوسيولوجية في المغرب، خاصة تلك المتعلقة بالهجرة النسائية، وبمدى قدرة المؤسسات على الإحاطة بهذه الظاهرة وفهم دينامياتها. كما طرح إشكالية حماية النساء المهاجرات، سواء خلال مسارات العبور أو داخل بلدان الاستقبال، مبرزا أن هذه الفئة تظل من بين الأكثر هشاشة، والأكثر عرضة لمختلف أشكال التضييق والانتهاك، في مقابل استفادتها المحدودة من الآثار الإيجابية للهجرة.

وفي السياق ذاته، دعا المحلل الاقتصادي إلى ضرورة تعميق البحث السوسيولوجي في هذا المجال، وتطوير آليات مؤسساتية أكثر نجاعة لحماية النساء المهاجرات، سواء المغربيات أو الإفريقيات المقيمات بالمغرب، موازاة مع تحديث المنظومة القانونية بما يستجيب للتحولات المتسارعة التي تعرفها هذه الظاهرة.

وأبرز الباحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أن الهجرة النسائية أصبحت اليوم واقعا قائما يواكب التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع، ما يفرض التعامل معها باعتبارها قضية مركزية تستوجب اهتماما أكبر على المستويات البحثية والمؤسساتية.

واعتبر في ختام تصريحه أن الهجرة تظل حقا مشروعا لا يمكن تقييده، بما في ذلك بالنسبة للنساء، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان شروط الهجرة الكريمة والاستقرار اللائق، سواء بالنسبة للنساء المغربيات أو الإفريقيات اللواتي يتخذن من المغرب وجهة للاستقرار، بما يضمن صون كرامتهن وتعزيز اندماجهن داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى