الصحة العمومية تنزف أطباءها.. وتحذيرات من انهيار التوازن الصحي بالمغرب

حسين العياشي

خبر_ عاد النقاش حول مصير الكفاءات الطبية إلى واجهة، بعد تحذيرات من أن تتحول المستشفيات العمومية إلى فضاءات للتكوين المؤقت لفائدة القطاع الخاص، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية العمومية خصاصا متزايدا في الموارد البشرية وصعوبة متنامية في الاحتفاظ بالأطر الطبية.

وفي هذا السياق، دق النائب البرلماني نبيل الدخش ناقوس الخطر بشأن القرار القاضي بتقليص مدة الالتزام الإجباري التي تربط الأطباء الخريجين بالمرفق الصحي العمومي، من ثماني سنوات إلى ثلاث فقط، معتبرا أن هذا التوجه يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل المستشفيات العمومية وقدرتها على الصمود أمام النزيف المستمر للكفاءات.

وفي سؤال كتابي وجهه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، اعتبر البرلماني الحركي أن هذا التعديل التنظيمي لا يمكن فصله عن التحولات التي يعرفها سوق الصحة بالمغرب، حيث أصبحت المصحات الخاصة تستقطب بشكل متزايد الأطباء ذوي التكوين العالي، مستفيدة من سنوات التأهيل الأكاديمي والتطبيقي التي تتم داخل كليات الطب والمستشفيات العمومية بتمويل كامل من الدولة.

ويرى الدخش أن تقليص مدة الالتزام الإجباري من شأنه أن يسرّع انتقال الأطباء نحو القطاع الخاص مباشرة بعد اكتساب الحد الأدنى من الخبرة داخل المؤسسات العمومية، وهو ما قد يحول هذه الأخيرة، وفق تعبيره، إلى مجرد “مشتل مجاني” لتكوين الموارد البشرية لفائدة الاستثمار الصحي الخاص.

وتأتي هذه المخاوف في ظرفية يواجه فيها القطاع الصحي العمومي تحديات معقدة، تتعلق أساسا بالنقص الحاد في الأطر الطبية وشبه الطبية، خاصة بالمناطق القروية وشبه الحضرية، حيث ما تزال مؤسسات استشفائية عديدة تعاني خصاصاً في التخصصات الحيوية وصعوبات في ضمان استمرارية الخدمات العلاجية.

كما حذر البرلماني ذاته من أن يؤدي هذا الوضع إلى تعميق الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج، في وقت تراهن فيه الدولة على تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية. إذ يرى أن نجاح هذا الورش يبقى رهينا بوجود منظومة صحية عمومية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على الخدمات الطبية، وهو ما يتطلب الحفاظ على الكفاءات الطبية داخل القطاع العام بدل تسهيل نزيفها نحو المصحات الخاصة أو الخارج.

وسجل الدخش أن القطاع الخاص سيصبح المستفيد الأكبر من هذا القرار، بالنظر إلى كونه سيستقطب أطباء تلقوا تكوينهم كاملاً داخل مؤسسات عمومية، دون أن يتحمل أي جزء من التكلفة المالية الباهظة التي تخصصها الدولة لتأهيلهم أكاديميا ومهنيا.

وفي هذا الإطار، طالب النائب البرلماني وزارة الصحة بالكشف عن الخلفيات والدوافع التي استندت إليها في اتخاذ قرار تقليص مدة الالتزام الإجباري، متسائلاً عما إذا كانت الوزارة قد أنجزت دراسة لتقييم الآثار المحتملة لهذا القرار على استقرار الموارد البشرية بالمستشفيات العمومية وعلى جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

كما دعا إلى التفكير في آليات قانونية ومالية جديدة تضمن مساهمة القطاع الصحي الخاص في تحمل جزء من تكاليف تكوين الأطباء الذين يستفيد من خدماتهم لاحقاً، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على الكفاءات القادمة من القطاع العمومي.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة الإشكال الأعمق المرتبط بعلاقة القطاعين العام والخاص داخل المنظومة الصحية المغربية، وحدود التوازن بين منطق الخدمة العمومية ومنطق الاستثمار، في قطاع أصبح يعيش ضغطا متزايدا بفعل ارتفاع الطلب على العلاج، وتزايد هجرة الكفاءات، واتساع الفوارق في توزيع الموارد الطبية بين الجهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى