الوكالة المغربية للدم.. من مشروع إصلاحي واعد إلى بؤرة توتر صامت

حسين العياشي

خبر_ لم يعد الاحتقان داخل الوكالة المغربية للدم ومشتقاته مجرد خلاف نقابي حول تعويضات أو ترقيات متأخرة، بل بدأ يتحول تدريجيا إلى أزمة ثقة عميقة بين الإدارة وموظفين يقولون إنهم وجدوا أنفسهم داخل مؤسسة جديدة “بلا هوية قانونية واضحة”، بعدما غادروا وزارة الصحة على وقع وعود بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.

وبعد بلاغ التنسيق النقابي الأخير الذي تحدث عن “اختلالات” و”تدبير ارتجالي”، تكشف معطيات جديدة، استقتها “إعلام تيفي” من مصادر نقابية مطلعة، تفاصيل أكثر حساسية حول ما يجري داخل الوكالة، في صورة تبدو فيها المؤسسة وكأنها تعيش على إيقاع فراغ تنظيمي وتوتر إداري متصاعد.

“منطقة رمادية”.. موظفون بلا نظام أساسي واضح

تفيد مصادر نقابية مطلعة بأن جوهر الأزمة يتمثل أساسا في غياب النظام الأساسي للوكالة، رغم مرور مدة طويلة على انتقال الموظفين إليها. وضعية تصفها المصادر بـ”المنطقة الرمادية”، حيث لا يزال المئات يزاولون مهامهم دون وضوح دقيق بشأن حقوقهم وواجباتهم والمسار المهني الذي ينتظرهم داخل المؤسسة الجديدة.

الأكثر إثارة للقلق، وفق المصادر ذاتها، أن المدير نفسه أقر خلال اجتماعات داخلية بعدم امتلاكه صلاحية إخراج النظام الأساسي، متحدثا عن “تعليمات” تحُول دون الإفراج عنه في الوقت الحالي، من دون الكشف عن الجهة التي تقف وراء هذا التأخير. تصريح فتح الباب أمام موجة تساؤلات داخل المؤسسة، وعمّق الإحساس بأن الملف يتجاوز مجرد بطء إداري عادي إلى ما يشبه حالة “البلوكاج” غير المفهومة.

في قطاع حساس كقطاع الدم ومشتقاته، لا تبدو هذه الاختلالات مجرد تفاصيل إدارية معزولة. فحسب المعطيات المتوفرة، لا يزال نظام الحراسة والإلزامية، الذي يشكل ركيزة أساسية لضمان استمرارية العمل، يشتغل وفق ترتيبات شفهية موروثة عن فترة تدبير الوزارة، دون تأطير قانوني واضح داخل الوكالة الجديدة، ما يطرح علامات استفهام حول كيفية تدبير المسؤوليات والحقوق داخل مؤسسة يفترض أنها جاءت لتحديث القطاع لا لإعادة إنتاج هشاشته القديمة.

نزيف متواصل.. “هروب جماعي” للأطر والكفاءات

بينما كان الرهان الرسمي يقوم على استقطاب الكفاءات وضمان استقرارها، تشير المعطيات إلى أن الوكالة عاشت، على امتداد الأشهر الماضية، نزيفا بشريا عميقا. فعدد من الأطر التي التحقت بالمؤسسة كانت تراهن على تحسين أوضاعها المهنية والاجتماعية، قبل أن تكتشف، وفق تعبير مصادر نقابية، أن جزءا كبيرا من الالتزامات والوعود التي قُدمت لها لم يتحقق.

وهو ما أدى إلى موجة انتقالات متواصلة و”هروب جماعي” لعدد من الأطر والموظفين، في مشهد بات يثير قلقا متزايدا بشأن قدرة الوكالة على الحفاظ على مواردها البشرية، خصوصا في ظل حساسية القطاع وحاجته إلى كفاءات مستقرة ومؤهلة.

“السجن الإداري”.. انتقالات شبه مستحيلة وتخوف من المغادرة الجماعية

هذا الوضع دفع بعض الموظفين إلى وصف واقعهم داخل المؤسسة بـ”السجن الإداري”، خصوصا مع ما يعتبرونه شبه استحالة للانتقال نحو الإدارة المركزية أو مؤسسات صحية أخرى.

وتقول المصادر إن حالة التخوف من مغادرة جماعية إضافية للأطر جعلت الإدارة تتشدد أكثر في ملف التنقلات، ما ساهم في رفع منسوب الاحتقان الداخلي، وتحويل المؤسسة، في نظر عدد من العاملين بها، إلى فضاء مغلق يصعب الخروج منه.

موظفون عالقون بين الوزارة والوكالة

الأزمة، وفق الرواية النقابية، لا تتوقف عند حدود التدبير الإداري، بل تمتد إلى الجوانب المالية كذلك. فبين الوزارة والوكالة، يبدو الموظفون عالقين وسط منطقة تداخل إداري مربكة؛ إذ تعتبر الوزارة أن المستخدمين أصبحوا تابعين للوكالة، فيما تتذرع هذه الأخيرة بكون الملفات والاعتمادات المالية لا تزال لدى الوزارة.

هذا الوضع تسبب، بحسب المصادر ذاتها، في تجميد ترقيات وتأخير تسوية ملفات إدارية ومالية تعود إلى سنتي 2021 و2022، ما عمّق الإحساس بعدم الاستقرار داخل المؤسسة.

منح متوقفة وسيارات فارهة.. غضب بسبب “ازدواجية التدبير”

إن أكثر ما يؤجج الغضب داخل المؤسسة هو ما يصفه الموظفون بـ”الازدواجية الصارخة” في تدبير النفقات. ففي الوقت الذي جرى فيه توقيف منح فصلية بدعوى غياب السند القانوني، وتأخير تعويضات التنقل، بل واضطرار بعض الموظفين إلى تمويل مهام مهنية من جيوبهم الخاصة، تتحدث المعطيات ذاتها عن اقتناء سيارات فارهة لفائدة مسؤولين، إلى جانب فتح مناصب جديدة بأجور مرتفعة تصل إلى حوالي أربعين ألف درهم شهريا.

وبلغ التذمر، وفق المصادر، درجة أصبح فيها النقاش محتدما حتى حول مصاريف بسيطة مرتبطة بوجبات الموظفين، في مقابل ما يعتبره المحتجون “سخاء ماليا” في ملفات أخرى يرون أنها لا تدخل ضمن الأولويات الحقيقية للمؤسسة.

جدل “الأورغانيغرام”.. من يقود الوكالة فعليا؟

وفي خضم هذا المناخ المشحون، برز أيضا جدل مرتبط بالهيكلة التنظيمية للوكالة، بعد تداول معطيات نقابية بشأن تعديل “الأورغانيغرام” لاستحداث منصب “مدير مساعد” لفائدة شخصية بعينها، تحولت، بحسب الرواية ذاتها، إلى مركز نفوذ فعلي داخل المؤسسة.

ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تعكس ارتباكا في تدبير المرحلة الانتقالية، وتثير تساؤلات حول طبيعة مراكز القرار داخل الوكالة وحدود الصلاحيات الفعلية.

التنقيط الإداري.. من معيار للكفاءة إلى أداة للضغط؟

كما تتزايد المخاوف، وفق المصادر نفسها، من تحول “التنقيط الإداري” إلى وسيلة ضغط داخلية. فبعد حديث سابق عن اعتماد معايير موحدة وشفافة، تقول المعطيات إن العملية أصبحت خاضعة بشكل واسع لتقديرات رؤساء الأقسام، بما يفتح المجال أمام منطق الولاءات والعلاقات الشخصية بدل معيار الكفاءة المهنية.

وهو ما يزيد، بحسب متابعين، من منسوب التوتر داخل المؤسسة، خصوصا في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم العلاقة المهنية داخل الوكالة.

وبين صمت الإدارة وتصاعد منسوب الغضب النقابي، تبدو الوكالة المغربية للدم ومشتقاته أمام اختبار حقيقي يتجاوز مجرد تدبير الموارد البشرية، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة مؤسسة حديثة العهد على ضمان الاستقرار داخل قطاع حساس يرتبط يوميا بحياة المرضى وبالأمن الصحي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى