هل تُجهض أجندة الدولة في المغرب بسبب اقتصاد الريع؟

حسين العياشي
مواكبة_في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تعزيز تموقعه الإقليمي والقاري، عبر أوراش تنموية كبرى واستراتيجية استثمارية واسعة يقودها الملك محمد السادس، يطفو على السطح نقاش آخر أكثر حساسية، يتعلق بما يعتبره متابعون “تناقضا داخليا” بين أجندة الدولة التنموية، وممارسات بعض مراكز النفوذ التي تُتهم بتحويل مشاريع التنمية إلى أدوات للاغتناء وتوسيع المصالح.
هذا المعطى توقف عنده الخبير الاقتصادي علي الغنبوري، في قراءة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية، حين تحدث عن وجود “اتجاه موازٍ” يتحرك بعكس الرؤية التي تبنيها الدولة المغربية منذ سنوات، مشيرا إلى أن المملكة تمتلك اليوم تصورا استراتيجيا واضحا يقوم على بناء مغرب قوي ومتوازن، ليس فقط من خلال الأرقام والمؤشرات، وإنما عبر ترسيخ الاستقرار وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويرى الغنبوري أن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة لم يكن وليد ظرفية عابرة أو نتائج تقنية معزولة، بل ثمرة تصور دولة يشتغل بمنطق الاستمرارية. فمن تحديث البنيات التحتية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، مرورا بتوسيع الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية، تبدو المملكة وكأنها تبني بهدوء موقعا جديدا داخل التوازنات الإقليمية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الملك محمد السادس انخرط بشكل مباشر في ملفات استراتيجية كبرى، سواء المرتبطة بقضية الصحراء المغربية أو بتعزيز العمق الإفريقي للمملكة، من خلال سلسلة زيارات واتفاقيات أعادت رسم صورة المغرب داخل إفريقيا، ليس فقط كحليف سياسي، بل كفاعل اقتصادي وتنموي أيضا.
كما اعتبر أن النموذج التنموي الجديد يشكل أحد أبرز عناوين هذا التحول، بالنظر إلى ما يحمله من رهانات مرتبطة بالدولة الاجتماعية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق الترابية، وخلق فرص الشغل، معتبرا أن الفكرة الأساسية التي تحكم هذا المشروع هي جعل التنمية أكثر عدالة واتساعا.
لكن، مقابل هذه الدينامية، يطرح الغنبوري سؤالا مقلقا يتعلق بوجود أطراف “تتعامل مع الدولة كخزان للمصالح لا كمشروع وطني جماعي”، على حد تعبيره، موضحا أن بعض الفاعلين راكموا النفوذ والثروة عبر التحكم في الأسواق والامتيازات والصفقات، في مشهد يتناقض، بحسبه، مع الخطاب الرسمي الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويدعو إلى محاربة الريع والاحتكار.
الأخطر، وفق القراءة ذاتها، ليس فقط استمرار الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، بل وجود من “يستفيد من التنمية دون أن يؤمن بها”، ومن يجد في الأزمات فرصة لتوسيع المكاسب بدل المساهمة في معالجتها. وهي مفارقة يرى الغنبوري أنها تهدد الثقة في جدوى المشاريع الكبرى، خصوصا حين يشعر جزء واسع من المواطنين بأن ثمار التنمية لا توزع بشكل متوازن.
وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال العدالة الاقتصادية بقوة. فمن جهة، هناك دولة تعلن الانتقال نحو نموذج اجتماعي جديد، ومن جهة أخرى، يتنامى شعور لدى فئات واسعة بأن كلفة الأزمات تتحملها الطبقات المتوسطة والهشة، بينما تستفيد أقلية من هوامش الربح والامتيازات.
الغنبوري ختم قراءته بالتأكيد على أن المغرب اليوم في حاجة إلى “انسجام حقيقي حول أجندة الدولة”، محذرا من أن تحويل المشاريع الكبرى إلى وسائل لتضخيم الثروات وتوسيع الفوارق من شأنه أن يضعف الثقة في المؤسسات، ويمس جوهر المشروع التنموي الذي تراهن عليه المملكة في مرحلتها الجديدة.
وفي بلد يتحرك بسرعة نحو إعادة رسم أدواره الإقليمية والقارية، يبدو أن الرهان لم يعد فقط في إطلاق المشاريع الكبرى، بل في ضمان ألا تتحول هذه الأوراش إلى ساحة صراع بين منطق الدولة ومنطق المصالح.





