النموذج التنموي الجديد.. دعوات لتفكيك الريع والاحتكار وتعزيز فرص الشغل

أميمة حدري

تقرير_ تتزايد الدعوات إلى مراجعة عدد من الاختلالات البنيوية التي ما تزال تعيق بلوغ الأهداف التي حددها النموذج التنموي الجديد، رغم ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من مكاسب في مجالات الحماية الاجتماعية والاستثمار والبنيات التحتية والإصلاحات المؤسساتية.

وفي هذا السياق، اعتبر مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى جيل جديد من الإصلاحات القادرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى أثر اجتماعي ملموس ينعكس على أوضاع المواطنين ويقلص الفوارق المجالية والاجتماعية.

وسجل المركز، في تقرير خصصه لتقييم حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد، أن قضية التشغيل ينبغي أن تتحول إلى أولوية مركزية في السياسات العمومية، داعيا إلى جعل إحداث مناصب الشغل معيارا أساسيا للحكم على نجاعة الاستثمارات العمومية والبرامج الحكومية، مع توجيه الجهود نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل المستدامة.

كما أوصى التقرير بإبرام ميثاق وطني للتشغيل يحدد التزامات واضحة بين الدولة والقطاع الخاص، ويربط الاستفادة من التحفيزات الاقتصادية بحجم فرص الشغل المحدثة وجودتها، مع اعتماد مقاربة جديدة في إدماج الشباب ترتكز على التمكين الاقتصادي بدل الاكتفاء ببرامج الدعم الظرفية.

وفي ما يتعلق بمنظومة التعليم، دعا المركز إلى تجاوز منطق الإصلاحات الجزئية نحو إعادة بناء المدرسة العمومية على أسس الجودة والإنصاف وربط التمويل بالنتائج المحققة، مع منح البحث العلمي والابتكار مكانة استراتيجية داخل السياسات العمومية من خلال رفع مستويات التمويل وتعزيز ارتباط الجامعات بمنظومة الإنتاج والتكنولوجيا.

وأكد التقرير أن تطوير التكوين المهني بات يفرض مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، خاصة تلك المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والصناعة المتقدمة والاقتصاد الأخضر، بما يسمح بإعداد كفاءات تستجيب لحاجيات سوق الشغل الجديدة.

وفي القطاع الصحي، شدد المركز على أهمية إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتوفير استثمارات كفيلة بتحسين جودة الخدمات الصحية، محذرا من تداعيات استمرار هجرة الكفاءات الطبية والتربوية، ومطالبا باتخاذ إجراءات عملية لتحسين ظروف العمل والأجور والمسارات المهنية لهذه الفئات.

ولم يغفل التقرير البعد الاجتماعي، إذ اعتبر أن تعزيز مكانة الطبقة الوسطى يشكل ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، داعيا إلى مراجعة السياسات الجبائية بما يخفف الأعباء عن الأسر والأجراء ويحسن قدرتهم الشرائية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

وعلى مستوى الحكامة، دعا المركز إلى الانتقال من تقييم السياسات العمومية بمنطق احترام المساطر إلى تقييمها بمنطق النتائج والأثر الفعلي على المواطنين، مع إحداث آلية مستقلة لتقييم البرامج العمومية ونشر نتائجها بشكل دوري، إلى جانب توسيع نطاق الشفافية في تدبير المال العام وتسريع وتيرة إصلاح الإدارة ورقمنة خدماتها.

كما وضع التقرير ملف الريع والاحتكار ضمن أولويات الإصلاح الاقتصادي، داعيا إلى مراجعة مختلف الامتيازات التي لا تحقق مردودية اقتصادية أو اجتماعية واضحة، وربط الدعم العمومي بمؤشرات دقيقة للأثر التنموي. وأكد في المقابل ضرورة تعزيز المنافسة داخل الأسواق عبر تقوية آليات المراقبة ومنح صلاحيات أوسع لمؤسسات الضبط، بما يحد من التركيز الاقتصادي ويفتح المجال أمام تنافسية أكبر.

وفي الإطار ذاته، شدد المركز على أهمية توجيه جزء أكبر من الاستثمارات العمومية نحو المناطق الأقل استفادة من التنمية، واعتماد معايير مرتبطة بالفقر والهشاشة والبطالة في توزيع الموارد، مع تمكين الشباب والنساء من أدوار أكبر في صناعة القرار العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى