الامراني ل”إعلام تيفي”: السياسة تراجعت لصالح المال والنفوذ والانتخابات لم تعد تقنع المغاربة

مهدي سابق
حوار _ على بعد أشهر من الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو المشهد السياسي المغربي وكأنه يتحرك داخل زمن بارد، تراجعت فيه حرارة النقاش العمومي مقارنة بما اعتادت عليه البلاد قبيل المحطات الانتخابية الكبرى. فالحيوية التي يفترض أن تسبق لحظات الحسم السياسي لا تزال محدودة، والاستقطاب الحزبي ضعيف، في وقت لم تنجح فيه الأحزاب بعد في بلورة نقاشات قادرة على جذب اهتمام الشباب والنخب وإعادة الاعتبار للفعل السياسي كمساحة للتعبئة والتأثير.
وفي المقابل، تتعزز مؤشرات المسافة المتنامية بين المواطن والحقل السياسي، سواء عبر ضعف الانخراط في الحياة الحزبية أو من خلال مظاهر العزوف عن التسجيل والمشاركة، بما يعكس حالة من التردد أو فقدان الثقة في جدوى الوساطة السياسية التقليدية. وهو ما يجعل من اللحظة الراهنة أكثر من مجرد محطة انتخابية لكنه مناسبة لطرح أسئلة أعمق حول طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة، وقدرة الفاعلين والمؤسسات على إنتاج المعنى واستعادة الثقة وصناعة أفق جماعي مشترك.
ولقراءة هذه المعطيات ومؤشرات المشهد، حاورت “إعلام تيفي” الدكتور غسان الأمراني، أستاذ التعليم العالي في علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، للوقوف عند أبرز التحولات التي تطبع السياق السياسي الراهن وتداعياتها على الاستحقاقات المقبلة.
الدكتور الامراني هل يعيش المغرب أزمة ثقة في الأحزاب والمنتخبين، أم أزمة أعمق تتعلق بتراجع الإيمان بجدوى السياسة نفسها كوسيلة للتغيير؟
أعتقد أن الأمرين مترابطان؛ إذ لا يمكن الحديث عن وعي سياسي وتفاعل المواطن مع العرض السياسي دون أحزاب، فالسياسة مرتبطة بالأحزاب. من جهة أخرى، إذا أخذنا المستوى النظري في الغرب، فإن الديمقراطية التمثيلية في أوروبا تكرست في القرن العشرين عندما انتصر السياسيون على الأعيان، أي انتصار العرض والبرنامج والهوية الحزبية على الفرد الذي يعتمد على إمكانياته المادية أو نفوذه القبلي أو الاقتصادي. ما نعيشه في المغرب هو العكس، حيث تراجعت السياسة والثقة في العمل الحزبي لصالح غلبة الأعيان. والدليل هو نتائج انتخابات 2021، حيث نلاحظ لأول مرة أن غرفتي البرلمان (مجلس النواب ومجلس المستشارين) مكونتان من أغلبية ساحقة من رجال المال والأعيان.
المشاركة في انتخابات 2021 (50%)، وجب التنبيه إلى أنها مرتبطة بالمسجلين فقط، أما إذا ربطناها بمجموع الحاملين للبطاقة الوطنية (18 سنة فما فوق)، فإن الرقم الحقيقي للمشاركة لا يتجاوز 20%.
حتى في الستينيات والسبعينيات، ورغم تزوير الانتخابات بطريقة فجة، كانت الغرفة الأولى تضم منتخبين عن أحزاب كالاتحاد الاشتراكي والاستقلال، وكان أغلبهم محامون وأساتذة وأطر، وكان النقاش السياسي حاضرا. أما الآن، فتراجع الثقة واضح من خلال نسب المشاركة التي بدأت في التراجع منذ سنة 2007 (37%).
ورغم لحظة 2011 والربيع العربي التي أعطت بعض الآمال، وصلنا في انتخابات 2021 إلى غلبة الأعيان. والإشكال في الأعيان أن التصويت لهم غير مرتبط بالحزب؛ فالمترشح قد يحصل على المقعد سواء ترشح مع هذا الحزب أو ذاك، بفضل نفوذه المادي وما يسمى بتصويت المقايضة.
هذا النوع من التصويت هو ما يسمى في الدارجة بـ”شراء الأصوات” والاعتماد على الإمكانيات الذاتية للمرشح، وهو ما لا يساعد على تعزيز الثقة في السياسة. المواطن يرى أن “أصحاب الشكارة” هم من يسيطرون، وحتى أحزاب اليسار (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) أصبحت تبحث عن رجال أعمال وأعيان لضمان المقاعد، رغم عدم انسجام ذلك مع هويتها وقيمها السياسية.
وبالنسبة لنسبة المشاركة في انتخابات 2021 (50%)، وجب التنبيه إلى أنها مرتبطة بالمسجلين فقط، أما إذا ربطناها بمجموع الحاملين للبطاقة الوطنية (18 سنة فما فوق)، فإن الرقم الحقيقي للمشاركة لا يتجاوز 20%، وهو ما يفقد المؤسسات والنظام السياسي جزءا كبيرا من المصداقية.
أصبحت فئة واسعة من المغاربة تعتبر نفسها غير معنية بالسياسة أو الانتخابات، طالما أن الأحزاب تعتمد على نفس الفئات في الترشيح. وهناك عامل آخر يتعلق بطبيعة النظام السياسي المغربي؛ فما جدوى المشاركة إذا كانت الانتخابات تؤدي دائما إلى حكومات ائتلافية (خمس أو ستة أحزاب) لا يجمعها تصور سياسي موحد؟ كما أن المواطن يشعر أن القرار السياسي والتوجهات الاستراتيجية الكبرى تتخذ خارج إطار الحكومة.
دستوريا، فإن مجلس الحكومة يوجد تحت سلطة مجلس الوزراء الذي يترأسه الملك، والذي يحدد التوجهات الاستراتيجية الكبرى. وخير مثال على ذلك “النموذج التنموي” الذي وضعته لجنة خاصة، ليطلب من الحكومة تنزيله والالتزام به. هذا يجعل طبيعة السلطة في المغرب تبدو اْنه نظاما هجينا (لا هو ديمقراطي ولا هو سلطوي)، مما يزيد من حالة اللامبالاة تجاه الانتخابات. فالأحزاب والحكومة ليست هي الفاعل المركزي كما هو الحال في الأنظمة الغربية، سواء كانت برلمانية أو شبه رئاسية أو رئاسية.
ما جدوى المشاركة إذا كانت الانتخابات تؤدي دائما إلى حكومات ائتلافية (خمس أو ستة أحزاب) لا يجمعها تصور سياسي موحد؟
في الأنظمة الديمقراطية، يكون صوت الناخب حاسما ومؤثرا في التوجه العام للدولة والحكومة، التي تحاسب في نهاية ولايتها. وهذا هو الشيء الذي نفتقده في المغرب، ويبقى السؤال المطروح دائما: ما جدوى الانتخابات إذا كان القرار السياسي لا يرتبط مباشرة بالحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع؟
ما المشروع الوطني الجامع القادر اليوم على تعبئة المغاربة حول أفق مشترك يتجاوز الحسابات الانتخابية والرهانات الظرفية؟
بالنسبة للمشروع الوطني الجامع القادر اليوم على تعبئة المغاربة حول أفق مشترك يتجاوز الحسابات الانتخابية والرهانات الظرفية، أرى أن المسألة جد معقدة ومركبة. وأنا لا أميل إلى فكرة “مشروع وطني جامع”،أعتبر أن هناك مشاريع مجتمعية وتصورات لأحزاب سياسية مختلفة تتنافس فيما بينها.
وأنتقد لجوء الأحزاب السياسية إلى مكاتب دراسات متخصصة من أجل إعداد برامجها، مما يجعل هذه البرامج متشابهة ويفتقد فيها مجهود أطر الحزب، في حين أن التعددية والديمقراطية تقتضي تقديم تصورات واقعية وملموسة تتنافس أمام المواطن.
وأعتبر أن التدبير الأول لإعادة الثقة في الانتخابات على المدى المتوسط والبعيد هو مراجعة دور وزارة الداخلية. وأرى أن الإشكال في المغرب منذ الاستقلال يتمثل في أن الداخلية هي الجهة الوحيدة المتحكمة في الانتخابات، بدءا من التقطيع الانتخابي والقوانين، وصولا إلى إعلان النتائج.
أنتقد لجوء الأحزاب السياسية إلى مكاتب دراسات متخصصة من أجل إعداد برامجها، مما يجعل هذه البرامج متشابهة ويفتقد فيها مجهود أطر الحزب
وأعقد مقارنة بين المغرب وفرنسا كالتالي: في فرنسا، وزارة الداخلية هي وزارة سياسية يسيرها وزير ينتمي للحزب الفائز، ولا أحد يطعن في حياديتها. أما في المغرب، فهي وزارة سيادية (بالمعنى السياسي لا الدستوري)، مرتبطة بالدوائر العليا للسلطة أو ما يعرف بالدولة العميقة أو المخزن، ولا يتحكم فيها رئيس الحكومة.
وأنتقد القوانين التي تم إنتاجها لانتخابات 2021، وخاصة القاسم الانتخابي الذي يحتسب على أساس المسجلين، معتبرا إياه آلية للتحكم في العملية الانتخابية وغير موجود في أي دولة ديمقراطية في العالم. وأرى أن السيطرة التامة للداخلية على العملية الانتخابية وتمرير القوانين بشبه إجماع داخل البرلمان دون معارضة حقيقية (باستثناء حزب أو حزبين) يعيق العملية الديمقراطية.
وأشير إلى أن هذا التحكم ولد اعتقادا في المخيال الشعبي بأن الانتخابات “مطبوخة” أو “مخدومة”، وهو شعور متراكم تاريخيا منذ الستينيات والسبعينيات حين كان يتم تزوير النتائج وخطف الصناديق من قبل القياد وأعوان السلطة.
وأخلص إلى أنه لا يوجد حاليا “مشروع جامع”، بل يجب على الأحزاب التاريخية (المنحدرة من الحركة الوطنية) أن تنبه إلى خطورة خضوع الانتخابات بشكل كامل لسيطرة وزارة الداخلية. وأؤكد أن هذه السيطرة تجعل من المستحيل محاسبة الوزارة أو التحقق من النتائج، مستحضرا انتخابات 2021 التي لم تنشر نتائجها بشكل تفصيلي، مما أثار تساؤلات حول مدى مطابقتها للواقع ونزاهتها.
هل ما زالت مؤسسات الوساطة السياسية تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية التي عرفها المجتمع المغربي، أم أن الفجوة بينها وبين المجتمع تتسع باستمرار؟
لم تعد مسألة العلاقة بين مؤسسات الوساطة السياسية في المغرب، وفي مقدمتها الأحزاب، والتحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية، مجرد سؤال وصفي بسيط، بل تحولت إلى إشكال بنيوي يرتبط بعمق طبيعة النظام السياسي، وبشكل إنتاج الفعل السياسي نفسه داخل مجتمع يتغير بوتيرة أسرع من قدرته على التمثل المؤسساتي.
فعلى مستوى أول، يمكن القول إن هذه المؤسسات لم تعد تواكب بالسرعة المطلوبة التحولات التي فرضتها الثورة الرقمية وإعادة تشكيل أنماط الوعي لدى الأجيال الجديدة. هذا الجيل الذي تشكل داخل فضاء رقمي قائم على السرعة والاختزال والصورة، لم يعد يتفاعل مع الخطاب السياسي التقليدي بنفس الأدوات القديمة. لم يعد النص الطويل، ولا البرامج الحزبية المفصلة، ولا حتى الخطاب الإيديولوجي الكلاسيكي، قادراً على إنتاج نفس الأثر التعبوي أو الإقناعي. في المقابل، تحاول بعض الفاعليات الحزبية تعديل أدواتها عبر المنصات الرقمية واللغة المبسطة، لكنها تبقى محاولات جزئية لا تمس جوهر الإشكال.
الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بطريقة التواصل، بل بمدى قدرة هذه المؤسسات على إعادة بناء الثقة. فجزء واسع من الجيل الجديد لم يعد يميز بين الأحزاب باعتبارها تعبيراً عن اختيارات سياسية مختلفة، بل يضعها في خانة واحدة مرتبطة في ذهنه بالفساد أو الانتهازية أو ضعف المصداقية. وهذا التحول في الصورة الذهنية يعكس تآكلاً عميقاً في وظيفة الوساطة السياسية، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على لعب دور القناة التي تربط المجتمع بالدولة بشكل فعال.
الديمقراطية، من حيث المبدأ، لا يمكن أن تستقيم دون أحزاب وتنظيمات، لكن هذه الأخيرة لم تعد صالحة بنفس الأدوات والذهنيات القديمة
في المقابل، تتسع الفجوة ليس فقط بين الشباب وهذه المؤسسات، بل أيضا بين منطق الدولة في تدبير الشأن العام وبين تمثلات جيل جديد يعيش داخل فضاء رقمي سريع ومتغير. هذه الفجوة لا تقتصر على الخطاب، بل تمتد إلى أنماط الفهم والتلقي والمشاركة السياسية نفسها. فالمشاركة الانتخابية والانخراط الحزبي لم يعودا يبدوان جذابين داخل هذا السياق الجديد، حيث تتقدم أنماط أخرى من التعبير والتأثير خارج الأطر التقليدية.
كما أن جزءا من الإشكال يرتبط بدور المؤسسات التربوية والإعلامية والجامعة، التي يفترض أن تشكل وسيطا لتأطير هذا التحول، لكنها بدورها لم تنجح في مواكبة التحولات القيمية والمعرفية الجديدة بالشكل الكافي، مما عمق الإحساس بالمسافة بين المواطن والمؤسسة.
ورغم ذلك، لا يمكن الحديث عن قطيعة كاملة، بقدر ما يتعلق الأمر بتحول عميق في شروط الوساطة السياسية نفسها. فالديمقراطية، من حيث المبدأ، لا يمكن أن تستقيم دون أحزاب وتنظيمات، لكن هذه الأخيرة لم تعد صالحة بنفس الأدوات والذهنيات القديمة. لذلك يبرز تصور مفاده أن المجتمع في طور إعادة إنتاج أشكال تنظيم جديدة أكثر تعبيرا عن واقعه المتغير، وأكثر قدرة على استيعاب التحولات الرقمية والثقافية السريعة.
في المحصلة، يمكن القول إن مؤسسات الوساطة السياسية لم تنجح بعد في مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية بشكل كافٍ، ما جعل الفجوة بينها وبين المجتمع، وخاصة فئاته الشابة، تتسع باستمرار. غير أن هذه الفجوة لا تعني نهاية هذه المؤسسات بقدر ما تعكس أزمة إعادة تموقع داخل واقع جديد يتطلب أدوات خطاب وتنظيم وفعل سياسي مختلفة جذريا عن السابق.
كيف يمكن إعادة بناء مجال عمومي حي يعيد للمواطن الإحساس بأن مشاركته السياسية جزء من صناعة المستقبل الجماعي وليست مجرد ممارسة انتخابية دورية؟
إنني اْرى أن مؤسسات الوساطة السياسية في المغرب لم تعد تعكس بالقدر الكافي التحولات العميقة التي عرفها المجتمع، سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الرقمي، بل إن الفجوة بينها وبين هذا المجتمع تتسع تدريجيا بدل أن تتقلص. فالمسار السياسي الذي انطلق مع مرحلة التناوب التوافقي أواخر التسعينات، ورغم ما رافقه من وعود بالانتقال الديمقراطي، لم يفض إلى تحول بنيوي مكتمل، بل انتهى إلى وضع يتميز بواجهة ديمقراطية قائمة على دستور حديث وانتخابات دورية وقوانين تنظيمية، في مقابل واقع سياسي يطغى عليه تراجع في منسوب الحريات، خاصة حرية التعبير والصحافة، وتضييق على الفعل الإعلامي النقدي.
هذا الانفصال بين الشكل والمضمون أنتج أزمة ثقة واضحة، حيث فقد الإعلام التقليدي جزءا كبيرا من قدرته على التأثير، بعدما أصبح في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، وخاصة الشباب، عاجزا عن التعبير عن نبض المجتمع أو ممارسة نقد حقيقي للسياسات العمومية. وفي المقابل، برزت وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء بديل للنقاش والتعبير، بما تحمله من خطاب مباشر ونبرة نقدية حادة، سواء عبر البودكاست أو المحتوى الرقمي غير المؤسسي، وهو ما يعكس تحولاً عميقا في بنية المجال العمومي وانتقال جزء من النقاش السياسي خارج الأطر التقليدية.
وفي ما يتعلق بالأحزاب السياسية، فإنني اْرى أن التعددية القائمة هي تعددية شكلية أكثر منها فعلية، حيث إن أدوار الفاعلين الحزبيين غالبا ما تنحصر في حدود المشاركة التقنية في تدبير الشأن العام، بدل أن تكون تعبيرا عن تنافس سياسي حقيقي على السلطة وصناعة القرار. وهذا الوضع يضعف وظيفة الوساطة السياسية التي يفترض أن تربط بين المجتمع والدولة، ويجعل الأحزاب تبدو أقرب إلى مؤسسات مواكبة للقرار أكثر من كونها فاعلاً مؤثراً فيه.
الرهان الحقيقي، وفق هذا التصور، هو استعادة المعنى النبيل للسياسة باعتبارها فضاء للترافع حول الشأن العام وصناعة المستقبل الجماعي
أما بخصوص جدوى المشاركة الانتخابية، لابد من التأكيد على أن الإشكال لا يتعلق فقط بنسبة التصويت أو دور الانتخابات، بل بطبيعة القرار السياسي نفسه، حيث إن جزءا مهما من صناعة القرار يظل خارج التأثير المباشر للنتائج الانتخابية، سواء بسبب وجود مراكز قرار موازية أو بسبب حضور وزراء غير منتخبين، وهو ما يضعف الإحساس بأن الصوت الانتخابي يتحول فعليا إلى سلطة سياسية ملموسة.
انطلاقا من ذلك، فإن إعادة بناء مجال عمومي حي وفاعل يمر عبر إعادة الاعتبار للسياسة نفسها، عبر توسيع هامش الحريات، وضمان استقلالية الإعلام، وتمكين الأحزاب من ممارسة النقد والاختلاف الحقيقي، بما يعيد الثقة في الفعل السياسي. كما أن جوهر هذا المشروع يقوم على جعل المشاركة السياسية ذات جدوى ملموسة، أي أن يشعر المواطن أن صوته يساهم فعلاً في تشكيل القرار العمومي، وليس مجرد طقس انتخابي دوري محدود الأثر.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي، وفق هذا التصور، هو استعادة المعنى النبيل للسياسة باعتبارها فضاء للترافع حول الشأن العام وصناعة المستقبل الجماعي، بعيدا عن الاختزال السلبي الذي يجعلها مجرد لعبة مصالح أو ممارسة شكلية، وذلك من أجل تقليص الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، وإعادة الثقة في الفعل العمومي.





