بين القانون والواقع.. دراسة ميدانية ترصد تحديات حماية النساء ضحايا العنف في المغرب

الحسين العياشي 

خبر_ عندما تتعرض امرأة للعنف، لا يكون هاجسها الأول انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية بعد أشهر من التقاضي، بل البحث عن حماية فورية تضع حداً للخطر المحدق بها وبأطفالها. ومن هذا السؤال الملح انطلقت دراسة ميدانية حديثة أنجزتها منظمة “Mobilising for Rights Associates” (MRA) بالرباط، لتفحص مدى فعالية تدابير الحماية المخصصة للنساء ضحايا العنف في المغرب، وتستكشف ما إذا كانت هذه الآليات القانونية قادرة فعلاً على توفير الأمن المطلوب في الوقت المناسب.

الدراسة، التي حملت عنوان “ضمان سلامة النساء من خلال تدابير حماية فعالة ضد العنف: بحث-عمل محلي من أجل ترافع قائم على الأدلة بالمغرب”، تقدم صورة تفصيلية عن واقع تطبيق تدابير الحماية، مسلطة الضوء على ما تحقق من مكاسب تشريعية، وفي المقابل على الصعوبات التي ما تزال تعترض النساء الراغبات في الحصول على حماية سريعة وفعالة.

ولم تكتف الدراسة بتحليل النصوص القانونية، بل نزلت إلى الميدان لرصد التجارب الواقعية للنساء. فقد أُنجز البحث بشراكة مع أربع جمعيات محلية بكل من الحاجب وشيشاوة وتازة والعرائش، وشارك فيه 368 شخصاً من خلفيات ومجالات مختلفة.

وشملت الدراسة مقابلات معمقة مع 146 امرأة سبق لهن الاستفادة من تدابير الحماية، إضافة إلى 15 امرأة تقدمن بطلبات للحصول عليها دون أن يستفدن منها. كما استمعت فرق البحث إلى 181 امرأة لم يسبق لهن اللجوء إلى هذه الآلية القانونية، فضلا عن 26 من الفاعلين المهنيين، من بينهم قضاة ونيابة عامة ومساعدات اجتماعيات وممثلون عن المصالح الأمنية.

وامتدت عينة البحث إلى 41 مدينة وقرية موزعة بين الوسطين الحضري والقروي والمناطق شبه الحضرية، ما أتاح رصد تفاوتات واضحة في التجارب والممارسات من منطقة إلى أخرى.

وتشير الدراسة إلى أن تدابير الحماية تهدف أساساً إلى منع تكرار العنف وضمان سلامة الضحية، من خلال إجراءات قد تشمل منع المعتدي من الاقتراب من المرأة أو التواصل معها، وتأمين الحماية للأطفال والأشخاص المعنيين بالوضعية، فضلاً عن توفير أشكال مختلفة من الدعم والمواكبة.

وكان القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018، قد عزز الترسانة القانونية المغربية بمجموعة من المقتضيات الجديدة الرامية إلى حماية الضحايا، كما أتاح إمكانية اتخاذ تدابير فورية في بعض حالات العنف ضد النساء.

وفي السياق نفسه، يذكر التقرير بوجود خلايا متخصصة للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل المحاكم المغربية. ووفق المعطيات الرسمية التي استندت إليها الدراسة، تم إحداث 88 خلية موزعة بين المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف عبر مختلف جهات المملكة.

غير أن الدراسة تؤكد أن توفر النصوص القانونية لا يعني بالضرورة ضمان الحماية الفعلية على أرض الواقع. فقد كشفت نتائج البحث عن تفاوت في فهم آليات الحماية واستيعابها، سواء لدى النساء المعنيات أو لدى بعض المتدخلين المكلفين بتفعيلها.

ومن أبرز الإشكالات التي رصدتها الدراسة غياب التمييز الواضح، في بعض الحالات، بين الشكاية الجنائية وطلب تدابير الحماية. وتعتبر المنظمة أن هذه الأخيرة ينبغي أن تشكل مسطرة مستقلة يمكن اللجوء إليها بشكل عاجل، دون ربطها بالضرورة بمتابعة جنائية أو بإجراءات الطلاق والنزاعات الأسرية.

كما سجلت الدراسة أن بعض تدابير الحماية يتم تبليغها شفوياً دون توثيق مكتوب، وهو ما يحد من إمكانية تتبعها وقياس مدى تفعيلها. وأشارت أيضاً إلى أن إصدار هذه التدابير لا يتم دائماً بالوتيرة نفسها في مختلف الملفات، فضلاً عن أن بعض المحامين لا يتقدمون بطلبها بشكل منتظم لفائدة موكلاتهم.

ورغم هذه الصعوبات، أظهرت شهادات عدد من النساء أن تدابير الحماية يمكن أن تحدث فرقاً ملموساً عندما تُفعّل بالشكل المطلوب. فقد أفادت بعض المستفيدات بأنهن شعرن بأمان أكبر داخل مراكز الإيواء، فيما أكدت أخريات أن التدابير المتخذة ساعدتهن على الحد من تواصل المعتدين معهن، أو استرجاع ممتلكاتهن الشخصية، أو حماية أطفالهن من تداعيات العنف.

لكن الدراسة رصدت أيضاً تجارب أقل إيجابية، حيث أكدت بعض النساء أن العنف استمر رغم اتخاذ تدابير الحماية، فيما اشتكت أخريات من صعوبة التواصل مع أرقام الطوارئ الموضوعة رهن إشارتهن أو من بطء التدخل عند خرق التدابير المقررة.

وتخلص المنظمة إلى أن فعالية تدابير الحماية لا ترتبط بإصدارها فقط، بل بوجود آليات صارمة لتتبع تنفيذها والتدخل الفوري عند الإخلال بها. فبدون مراقبة مستمرة وتنسيق فعال بين مختلف المتدخلين، قد تتحول هذه التدابير إلى حماية محدودة الأثر أمام حالات الخطر الحقيقي.

وفي جانب آخر، تبرز الدراسة قضية السكن باعتبارها واحدة من أكثر الإشكالات إلحاحاً. ففي العديد من الحالات، تكون المرأة وأطفالها هم من يضطرون إلى مغادرة بيت الأسرة بحثاً عن ملاذ آمن، بينما يظل المعتدي داخل المسكن نفسه.

ورغم الدور الحيوي الذي تضطلع به مراكز الإيواء في توفير الحماية العاجلة، تؤكد الدراسة أنها لا تمثل حلاً دائماً، خاصة عندما تمتد إقامة النساء بها لأشهر طويلة، بما ينعكس على استقرارهن الاجتماعي والاقتصادي وعلى المسار الدراسي لأطفالهن.

ومن هذا المنطلق، دعت المنظمة إلى توفير حلول سكنية مستدامة تضمن استقلالية الضحايا وأمنهن، كما أوصت بإعطاء الأولوية لإبعاد المعتدي عن المنزل الأسري كلما أمكن ضمان سلامة المرأة وأطفالها، بدلاً من إرغام الضحية على مغادرة محيطها المعتاد.

كما أظهرت إفادات النساء المشاركات في الدراسة حاجة ملحة إلى تبسيط المساطر وتسريع الاستجابة لطلبات الحماية، مع تفعيل التدخل فور التبليغ عن وجود خطر، وتوحيد الإجراءات بين مختلف الجهات، وضمان إخبار الضحايا بانتظام بمآل التدابير المتخذة لفائدتهن.

وشملت التوصيات كذلك توفير المواكبة القانونية المجانية، وتقليص التكاليف المرتبطة بالإجراءات القضائية، وتوسيع خدمات الاستماع والإيواء لتشمل مختلف مناطق المملكة، خصوصاً بالعالم القروي، إلى جانب تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للنساء ضحايا العنف.

كما دعت الدراسة إلى الاستفادة بشكل أكبر من التجارب الدولية التي تعتمد نظاماً مزدوجاً للحماية، يقوم على تدابير استعجالية يتم اتخاذها فور وجود خطر وشيك، وأخرى طويلة الأمد تصدر بعد استكمال الإجراءات القضائية اللازمة، بما يضمن استجابة متناسبة مع درجة التهديد الذي تواجهه الضحية.

وفي خلاصة التقرير، تؤكد المنظمة أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً بسن القوانين أو استحداث الآليات القانونية فحسب، بل بقدرة المؤسسات على تحويل هذه المقتضيات إلى حماية ملموسة وفعالة. فحين تبلغ امرأة عن تعرضها للعنف، لا ينبغي أن يقتصر دور الدولة على توثيق الواقعة وفتح المساطر، بل أن توفر لها، قبل كل شيء، ضمانات تحول دون تكرار العنف وتمنح الأمان الذي تبحث عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى