جمعية نسائية تطالب الأحزاب بعقد سياسي جديد مع النساء قبل الانتخابات

حسين العياشي

خبر_قبل أقل من أربعة أشهر على الانتخابات التشريعية المرتقبة، بدأت معركة من نوع آخر تتشكل خارج مقرات الأحزاب وخطابات الحملات الانتخابية. معركة لا تتعلق بالمقاعد البرلمانية أو التحالفات السياسية، بل بسؤال بسيط ومحرج في الآن نفسه: ماذا ستقدم الأحزاب المغربية للنساء مقابل أصواتهن؟

هذا السؤال كان في صلب المبادرة التي أطلقتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، من خلال مذكرتين ترافعيتين وجهتهما إلى الأحزاب السياسية تحت شعار لافت: “صوتي ليك.. وتحقيق مطالبي عليك”، في رسالة تحمل معنى سياسياً واضحاً مفاده أن زمن الوعود العامة والخطابات الفضفاضة حول المرأة والمساواة لم يعد كافياً.

الجمعية اختارت أن تخاطب الأحزاب من موقع مختلف. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بمزيد من الحقوق أو إصدار بيانات مبدئية، وضعت أمام الفاعلين السياسيين لائحة مفصلة من الالتزامات التي تطالب بإدراجها داخل البرامج الانتخابية للانتخابات التشريعية المقبلة، وتحويلها إلى تعهدات قابلة للقياس والمحاسبة.

وترى الجمعية أن إحدى أكبر الإشكالات التي طبعت التجارب السابقة تتمثل في التعامل مع قضايا النساء باعتبارها ملفات اجتماعية ثانوية، يتم استحضارها في المواسم الانتخابية ثم سرعان ما تتراجع إلى الصفوف الخلفية بعد تشكيل الحكومات. ولذلك تدعو إلى جعل المساواة محوراً سياسياً مركزياً داخل البرامج الحزبية، لا مجرد فقرة عابرة ضمن أبواب الأسرة أو التنمية الاجتماعية.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في المذكرات المقدمة هو انتقالها من المطالب التقليدية المرتبطة بالمشاركة السياسية والتمكين الاقتصادي إلى ملفات أكثر حساسية وتعقيداً، من بينها العنف الرقمي الذي أصبح، بحسب الجمعية، أحد أخطر أشكال العنف المستحدثة ضد النساء والفتيات.

ففي وقت يتوسع فيه حضور النساء داخل الفضاء الرقمي، تتزايد أيضاً مظاهر التشهير والابتزاز الإلكتروني وانتحال الهوية ونشر الصور والمعطيات الشخصية دون موافقة أصحابها، وهي ممارسات ترى الجمعية أنها لم تعد مجرد قضايا فردية أو تقنية، بل تحولت إلى إشكال حقوقي ومجتمعي يستدعي تدخلاً تشريعياً ومؤسساتياً عاجلاً.

ولهذا السبب دعت إلى سن قانون خاص بمناهضة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات، وإحداث منصة وطنية للتبليغ عن الانتهاكات الرقمية، وتطوير آليات سريعة لحذف المحتويات المسيئة، إلى جانب إنشاء وحدات متخصصة داخل أجهزة إنفاذ القانون للتكفل بهذا النوع من الجرائم.

غير أن الرسالة الأهم التي تحملها المذكرات تتجاوز موضوع العنف الرقمي نفسه. فالجمعية تطالب الأحزاب بأن تنتقل من منطق إعلان النوايا إلى منطق التعاقد السياسي الواضح، عبر تقديم التزامات دقيقة بشأن تشغيل النساء، والحماية الاجتماعية، ومحاربة العنف، وإنهاء تزويج الطفلات، وإصلاح المنظومة القانونية المرتبطة بالمساواة وعدم التمييز.

وفي خلفية هذه المطالب يبرز سؤال سياسي لا تخفيه الحركة النسائية: كيف يمكن الحديث عن دولة اجتماعية في ظل استمرار الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعاني منها النساء؟ وكيف يمكن للأحزاب أن تطلب ثقة الناخبات دون أن تقدم لهن برامج واضحة ومؤشرات قابلة للتتبع والمساءلة؟

ومن هنا جاءت الدعوة إلى إلزام الأحزاب بنشر حصيلة دورية لمدى احترامها لتعهداتها المتعلقة بالمساواة، وربط الخطاب الانتخابي بآليات للمراقبة والتقييم، حتى لا تبقى البرامج مجرد وثائق موسمية تنتهي صلاحيتها مباشرة بعد إعلان نتائج الاقتراع.

وبينما تستعد الأحزاب لصياغة برامجها الانتخابية استعداداً لاستحقاقات شتنبر 2026، تبدو الرسالة التي وجهتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة واضحة: أصوات النساء لم تعد شيكاً انتخابياً على بياض، والمساواة لم تعد شعاراً دعائياً يرفع في الحملات الانتخابية، بل أصبحت التزاماً سياسياً ينتظر الناخبون والناخبات ترجمته إلى تعهدات ملموسة يمكن محاسبة أصحابها عليها بعد فتح صناديق الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى