بعد أشهر من الاستهداف.. المنصوري تنسف الرواية التي فجّرت جدل تسلطانت

حسين العياشي
في مواجهة عاصفة من الأسئلة والاتهامات التي ظلت تلاحق ملف العقار العائلي بمنطقة تسلطانت، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أن تخرج عن دائرة البيانات المقتضبة والردود المقتضبة، لتبسط روايتها الكاملة بشأن قضية تحولت، خلال الأشهر الماضية، إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد العمومي.
وفي حديث مطول ضمن بودكاست “TOUIL TALKS”، سعت المنصوري إلى تفكيك الأسس التي قامت عليها الروايات المتداولة حول العقار، معتبرة أن جزءا كبيرا من النقاش العمومي انبنى على معطيات مغلوطة واختزالات أخلّت بالسياق القانوني والتاريخي للملف.
واستهلت الوزيرة توضيحاتها بالعودة إلى أصل الملكية، مؤكدة أن الأرض موضوع الجدل ليست من أملاك الدولة ولا من الأراضي المسترجعة أو تلك التابعة للمجال العسكري كما رُوج لذلك، بل تعود إلى ملكية خاصة اقتناها والدها، الذي كان يزاول مهنة المحاماة بمدينة مراكش، سنة 1977، بموجب رسم عقاري محفظ ومن مالك خاص معروف بالمنطقة آنذاك.
وبدا لافتا حرص المنصوري على تفنيد الروايات التي وصفتها بـ”العبثية”، بعدما جرى تداول مزاعم تفيد بأن والدها حصل على العقار خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل أن ترد بسخرية مبطنة قائلة إن والدها نفسه وُلد سنة 1936، في إشارة إلى ما اعتبرته هشاشة بعض المعطيات التي بُنيت عليها الاتهامات.
غير أن جوهر دفاعها لم ينصرف إلى أصل الملكية بقدر ما انصب على الاتهامات المرتبطة باستغلال النفوذ وتضارب المصالح، وهي النقطة التي شكلت لبّ السجال الدائر حول الملف.
فبحسب المنصوري، فإن الزعم بأنها استفادت من مواقع المسؤولية لتحويل العقار إلى وعاء قابل للتعمير يتهاوى أمام التسلسل الزمني للوقائع. إذ أكدت أن تصميم التهيئة الذي أدرج المنطقة ضمن المجال العمراني صودق عليه سنة 2017، أي قبل توليها رئاسة المجلس الجماعي لمراكش وقبل وصولها إلى وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير.
وأوضحت أن وثائق التعمير لا تصاغ بإرادة فردية ولا تفصل على مقاس أشخاص أو مصالح خاصة، بل تمر عبر مسار مؤسساتي طويل ومتشعب، تشارك فيه قطاعات حكومية متعددة وهيئات تقنية وإدارية ومنتخبة، قبل أن يخضع للبحث العلني ولآليات المراجعة والتدقيق، لينتهي، بعد سلسلة من المراحل القانونية، إلى النشر في الجريدة الرسمية واكتساب قوته الإلزامية.
وفي معرض دحضها لفكرة “تفصيل” وثيقة تعميرية لفائدة عقار بعينه، شددت الوزيرة على أن الأمر يتعلق بمجال ترابي واسع شمل آلاف الهكتارات بمنطقة تسلطانت، موضحة أن المساحات التي فُتحت للتعمير تجاوزت 5600 هكتار، وأن العقار العائلي لا يعدو أن يكون جزءا محدودا ضمن هذا الامتداد العمراني الكبير.
ولعل أكثر ما حرصت المنصوري على إبرازه هو أنها كانت، خلال توليها رئاسة جماعة مراكش، في موقع يتيح لها، نظريا، سلوك مساطر الاستثناءات العمرانية لو كانت تبحث عن منفعة خاصة، لكنها تؤكد أنها اختارت عكس ذلك تماما.
وقالت إنها رفضت ملفات عديدة عُرضت على لجان الاستثناءات خلال فترة تدبيرها للشأن المحلي، وإنها لم تلجأ إلى هذه الآلية حتى بالنسبة لعقار أسرتها، رغم أن القانون لم يكن يمنع ذلك. واعتبرت أن امتناعها عن سلوك هذا المسار كان نابعا من قناعة أخلاقية ومؤسساتية قوامها احترام المسؤولية العمومية وصون هيبة المنصب من كل ما قد يثير شبهة توظيف النفوذ أو استثماره لتحقيق مكاسب خاصة.
وفي سياق متصل، عادت المنصوري إلى الجدل الذي أثير حول وثيقة تخطيطية قيل إنها كانت تقضي بالحفاظ على الطابع الفلاحي للمنطقة قبل أن يتم العدول عنها لاحقاً، لتؤكد أن هذه الوثيقة لم تستكمل أصلاً مسار المصادقة القانونية، ولم تر النور في صيغتها النهائية.
وأوضحت أن المشروع المشار إليه أُوقف سنة 2021 بمبادرة من سلطات الجهة آنذاك، لأسباب تقنية وإدارية مرتبطة بمضمونه وبالرهانات الترابية التي يطرحها، مؤكدة أنها لم تكن في ذلك التاريخ لا وزيرة ولا صاحبة اختصاص أو قرار في هذا الملف.
وذهبت أبعد من مجرد النفي، حين تساءلت عن الكيفية التي تحولت بها وثيقة غير مصادق عليها إلى مرجع تُبنى عليه اتهامات سياسية وأخلاقية، مشددة على أن الوثائق التنظيمية الملزمة لا تكتسب وجودها القانوني إلا بعد استكمال مساطر المصادقة والنشر الرسمي، وهو ما لم يتحقق، بحسب روايتها، في الحالة التي يجري الاستناد إليها.
ومن خلال هذا السرد التفصيلي، بدا أن المنصوري لا تدافع فقط عن سلامة مسطرة عقارية أو عن شرعية وثيقة تعميرية، بل تخوض معركة أوسع تتعلق بصورتها السياسية والشخصية. لذلك لم تُخف انزعاجها مما وصفته بمحاولات التشكيك في ذمتها ونزاهتها، مؤكدة أن النقاش العمومي يظل مشروعاً ومطلوباً، لكنه يفقد مشروعيته عندما ينفصل عن الوقائع الثابتة والوثائق الرسمية.
وبين رواية خصومها السياسيين ودفاعها المستند إلى التسلسل الزمني للمساطر والقرارات، تحاول المنصوري إعادة توجيه بوصلة النقاش من منطق الشبهات والانطباعات إلى منطق الوثائق والمؤسسات. غير أن المؤكد أن ملف تسلطانت، بما راكمه من سجال سياسي وإعلامي، لن يغادر دائرة الضوء قريباً، حتى وإن وضعت الوزيرة هذه المرة روايتها الأكثر تفصيلاً على طاولة الرأي العام.





