عز العرب لـ”إعلام تيفي”: ليست أزمة عزوف بل أزمة ثقة تهدد مستويات المشاركة الانتخابية

المهدي سابق

خبر _ في سياق التحولات التي يشهدها المشهد السياسي الوطني وما يثيره من نقاش حول موقع المواطن داخل العملية الانتخابية، تكشف نتائج هذه الدراسة عن توازن دقيق بين استمرار الاهتمام بالشأن العام وتراجع نسب المشاركة الفعلية، بما يعكس تحولات في أنماط التفاعل مع السياسة وتزايد الفجوة مع الوسائط الحزبية التقليدية.

إذ كشفت دراسة وطنية حديثة أنجزتها جمعية “المواطنون” حول علاقة المغاربة بانتخابات 2026، وشملت أكثر من 3000 مشارك من مختلف جهات المملكة، أن 66.6 في المائة يعتبرون التصويت واجبا مواطنيا، فيما عبر 41.3 في المائة عن نيتهم المشاركة في الاستحقاقات المقبلة مقابل 24.1 في المائة أعلنوا توجههم نحو المقاطعة، كما أظهرت أن 79.5 في المائة من المستجوبين لا تربطهم أي علاقة أو تواصل مع الأحزاب السياسية، وهو ما يعكس عمق أزمة الثقة القائمة بين المواطنين والمؤسسات التمثيلية.

وأوضح عز العرب في تصريح لـ“إعلام تيفي”، أن هذه الأرقام تكشف مفارقة أساسية تتمثل في وجود اهتمام مرتفع بالشأن العام مقابل تراجع في المشاركة الانتخابية، معتبراً أن هذا المعطى يُعد من أبرز خلاصات الدراسة. وأضاف أن المواطنين ما زالوا يتابعون النقاش العمومي ويهتمون بالقضايا السياسية، غير أن ذلك لا ينعكس بشكل مباشر على سلوك التصويت، بفعل تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات وآليات التمثيل.

وأكد أن الأمر لا يتعلق بعزوف عن السياسة بقدر ما هو عزوف عن بعض أشكال ممارستها الحالية، موضحاً أن المواطن لم يغادر الفضاء العمومي، بل ظل فاعلا فيه من خلال المتابعة والنقد، غير أنه في المقابل يعبر عن موقف نقدي من طريقة تدبير الحياة السياسية ومن أداء الوسائط الحزبية والتمثيلية.

وفي تفسيره لعمق أزمة المشاركة الانتخابية، شدد عز العرب على أن الثقة تظل المتغير الحاسم في فهم هذا السلوك، مبرزاً أن نتائج الدراسة تظهر أن أسباب المقاطعة ترتبط أساسا بفقدان الثقة في الفاعل الحزبي، والاقتناع بأن التصويت لا يُحدث تغييرا ملموسا في الواقع، إضافة إلى الإحساس بغياب تمثيلية حقيقية لمطالب وتطلعات المواطنين.

وأضاف أن معطى 79.5 في المائة من المستجوبين الذين أكدوا عدم وجود أي علاقة أو تواصل مع الأحزاب السياسية يعكس حجم القطيعة بين المواطن والمؤسسات الوسيطة، مشيراً إلى أن هذا الوضع يجعل أزمة المشاركة أزمة بنيوية في العلاقة بين المجتمع والفاعل السياسي أكثر منها مجرد سلوك انتخابي ظرفي.

وبخصوص الرسائل الموجهة إلى الأحزاب السياسية، أوضح عز العرب أن الدراسة تقدم إشارة واضحة مفادها أن المواطنين لا يطالبون بالمزيد من الخطاب السياسي بقدر ما يطالبون بالمصداقية والالتزام. وأشار إلى أن المستجوبين حددوا مجموعة من الشروط الأساسية التي من شأنها إعادة بناء الثقة، في مقدمتها ضمان نزاهة الانتخابات، وتقديم برامج سياسية واضحة وقابلة للفهم والتقييم، وفتح المجال أمام الشباب، فضلا عن تعزيز الشفافية في التمويل وفي تدبير العمل الحزبي.

واعتبر أن هذه الشروط تعكس تحولا في وعي الناخبين، حيث لم يعد الخطاب السياسي وحده كافيا، بل أصبحت الممارسة الفعلية والالتزام السياسي هما معيار التقييم الأساسي، وهو ما يضع الأحزاب أمام تحدي استعادة المصداقية في سياق اجتماعي يتسم بارتفاع منسوب النقد واليقظة السياسية.

وفي ما يتعلق بإمكانية استعادة الثقة دون إصلاحات سياسية، أكد عز العرب أن ذلك غير ممكن، مشدداً على أن استعادة الثقة لا يمكن أن تتم عبر الحملات التواصلية أو الخطابات فقط، بل تحتاج إلى إصلاحات سياسية ومؤسساتية حقيقية تعيد الاعتبار لجدوى المشاركة الانتخابية نفسها. وأوضح أن المواطنين اليوم ينتظرون إشارات ملموسة أكثر من الوعود، ويربطون مشاركتهم بوجود انتخابات نزيهة، وبرامج واضحة، ومؤسسات أكثر انفتاحا، وأحزاب أقرب إلى المواطنين.

وأشار إلى أن الرهان لا يقتصر على رفع نسب المشاركة الانتخابية فقط، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة بناء الثقة في الفعل السياسي وتمكين المواطن من الإحساس بأن صوته له أثر حقيقي في صناعة القرار العمومي والسياسات العمومية، مؤكداً أن انتخابات 2026 تمثل فرصة لإعادة بناء الجسور بين المواطن والمؤسسات التمثيلية وإطلاق دينامية إصلاحية تعزز الانفتاح والمشاركة.

وختم عز العرب تصريحه بالتأكيد على أن ما تكشفه هذه المعطيات لا ينبغي التعامل معه فقط كمؤشر سلبي، بل كإشارة على وجود وعي سياسي متقدم لدى فئات واسعة من المواطنين يقابله ضعف في قنوات التمثيل، ما يفرض إعادة التفكير في آليات الوساطة السياسية وتطوير أداء الأحزاب، باعتبار ذلك مدخلا أساسيا لاستعادة الثقة وتجنب تعميق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى