لماذا لم تنعكس استراتيجيات الصيد البحري على أوضاع البحارة والمستهلكين؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

 يعد قطاع الصيد البحري أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني بالنظر إلى غنى السواحل المغربية بالموارد البحرية وما يوفره القطاع من فرص للشغل ومداخيل مهمة من العملة الصعبة، غير أن عددا من المهنيين والبحارة يثيرون تساؤلات بشأن مدى انعكاس السياسات العمومية على أوضاعهم الاجتماعية والمهنية وعلى المستهلك المغربي.

في هذا الحوار، يتحدث مولاي الحسن الطالبي، عضو غرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية بالداخلة عن هيئة الصيد التقليدي، عن أبرز التحديات التي تواجه القطاع، من ارتفاع أسعار الأسماك إلى المراقبة والتمثيلية والحماية الاجتماعية وإصلاح الحكامة البحرية.

إليكم نص الحوار:

 رغم الامتداد البحري الكبير للمملكة، لا يزال المواطن المغربي يشتكي من ارتفاع أسعار الأسماك. كيف تفسرون هذا الوضع؟

استمرار ارتفاع أسعار الأسماك رغم ما يتوفر عليه المغرب من واجهتين بحريتين وثروة سمكية كبيرة يثير العديد من علامات الاستفهام، أعتقد أن تحرير الأسعار أضعف آليات الضبط والمراقبة التي كانت تحد من المضاربات، وأصبح المواطن يواجه أسعارا مرتفعة في ظل غياب تدخل فعال لضبط الأسواق ومراقبة هوامش الربح.

كما أن المغرب يتوفر على أنواع بحرية ذات قيمة عالية لا تصل في الغالب إلى المستهلك المحلي، إذ يتم توجيه جزء مهم منها نحو التصدير أو الاستفادة منها من طرف فاعلين كبار، بينما يبقى المواطن مرتبطا بأصناف محدودة من الأسماك.

ما تقييمكم لوضع الثروة السمكية بالمغرب، وإلى أي حد تؤثر منظومة المراقبة الحالية على تدبير القطاع وحماية الموارد البحرية؟

السؤال المطروح اليوم يتعلق بمآل الثروة السمكية التي كانت تزخر بها السواحل المغربية، التراجع المسجل لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الطبيعية أو التغيرات المناخية، بل يجب ربطه أيضا بطريقة تدبير القطاع والسياسات العمومية المعتمدة خلال السنوات الماضية.

هناك ضعف واضح في منظومة المراقبة البحرية رغم اعتماد آليات حديثة، من بينها التتبع عبر الأقمار الاصطناعية. لكن مراقبة تحركات السفن وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بآليات دقيقة للتحقق من نوعية وكميات الأسماك المصطادة وما يتم التخلص منه في عرض البحر، كما أن فعالية هذه الوسائل تظل مرتبطة بقدرتها على مراقبة حقيقة المصطادات والكميات المصرح بها.

أرى أن وزارة الصيد البحري فقدت مع مرور السنوات جزءا كبيرا من وسائلها التنفيذية والزجرية، لذلك ينبغي إعادة بناء جهاز مراقبة مستقل وقوي على غرار مؤسسات المراقبة المعمول بها في قطاعات أخرى، مع إشراك الدرك البحري وعناصر متخصصة تابعة للوزارة في عمليات المراقبة والتتبع الميداني.

 كيف تقيمون حصيلة استراتيجية “أليوتيس” بعد أكثر من 15 سنة على إطلاقها؟

تقييم أي استراتيجية لا ينبغي أن يتم فقط من خلال لغة الأرقام والمؤشرات التي تقدمها الوزارة الوصية، بل من خلال انعكاساتها الفعلية على المهنيين والبحارة والطبقات المرتبطة بالقطاع.

استراتيجية “أليوتيس” التي أطلقت سنة 2009 كانت محل انتقادات منذ البداية من طرف عدد من الفاعلين المهنيين الذين اعتبروا أنها ستخدم مصالح الفاعلين الكبار أكثر من الفئات الضعيفة والعاملة في الصيد التقليدي. ومع مرور السنوات، تعززت هذه القناعة بعدما استفادت منها فئات محددة دون تحقيق تحسن ملموس في أوضاع البحارة الصغار.

 تحدثتم أيضا عن ضعف التمثيلية المهنية داخل المؤسسات. كيف ينعكس ذلك على القطاع؟

إحدى الإشكالات البنيوية تتمثل في ضعف تمثيلية مهنيي القطاع داخل المؤسسات المنتخبة والاستشارية مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى. فعدد غرف الصيد البحري على المستوى الوطني لا يتجاوز أربع غرف، مقابل حضور أكبر لقطاعات أخرى داخل مجلس المستشارين ومختلف المؤسسات التمثيلية، وهو ما يؤثر على قدرة المهنيين على الدفاع عن مصالحهم واقتراح إصلاحات حقيقية.

قطاع الصيد التقليدي في الداخلة يضم أكثر من ثلاثة آلاف قارب، ورغم ذلك لا يحظى سوى بتمثيلية محدودة. توسيع التمثيلية المهنية من شأنه تعزيز النقاش المؤسساتي حول مستقبل القطاع وتمكين الفاعلين الحقيقيين من إيصال صوتهم إلى دوائر القرار.

 ماذا عن الحماية الاجتماعية للبحارة؟

حجم المساهمات المالية التي يتم اقتطاعها سنويا يطرح تساؤلات حول مستوى الخدمات المقدمة لفائدة المنخرطين، خاصة فيما يتعلق بالتقاعد والحماية الاجتماعية طويلة الأمد.

كما أن العديد من الأسر التي فقدت معيلها في حوادث البحر ما تزال تواجه أوضاعا اجتماعية صعبة، وهو ما يستدعي مراجعة آليات الاستفادة وضمان وصول الحقوق الاجتماعية إلى مستحقيها.

منظومة الإنقاذ الحالية لا تستجيب بالسرعة المطلوبة للحوادث التي تقع في عرض البحر، خاصة بالمناطق البعيدة. لذلك أقترح تعزيز وسائل التدخل عبر توفير طائرات مروحية برمائية متخصصة في المراقبة والإنقاذ بما يسمح بالاستجابة السريعة للحالات المستعجلة وحماية الأرواح البشرية.

 ما الذي يحتاجه القطاع اليوم لتحقيق إصلاح حقيقي؟

الإصلاح الحقيقي لا يرتبط فقط بتغيير الأشخاص، بل يقتضي مراجعة شاملة لأساليب تدبير القطاع وللمنظومة المؤسساتية التي تؤطره. كما يجب إعادة الاعتبار لوزارة الصيد البحري ومنحها وسائل مراقبة وزجر فعالة، وتعزيز استقلالية أجهزة التتبع والمراقبة وتطوير آليات الشفافية المتعلقة بالمخالفات والعقوبات وتدبير الثروة السمكية.

من الضروري إشراك المهنيين الحقيقيين في صياغة القرارات والاستراتيجيات المستقبلية، وفتح نقاش وطني واسع حول الحكامة البحرية، بما يضمن حماية الموارد السمكية وتحقيق العدالة بين مختلف المتدخلين في القطاع، وجعل الثروة البحرية رافعة للتنمية لفائدة جميع المغاربة وليس لفائدة فئات محدودة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى