ترانسبرانسي المغرب: “فراقشية القطاعات الحيوية أخطبوط تتقوى أذرعه بتوسع الريع والفساد وتقويض المنافسة”

المهدي سابق

خبر _نظمت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي المغرب”، يومه الثلاثاء 23 يونيو 2026 ندوة صحافية أماطت من خلالها اللثام على مجموعة من القضايا الحساسة والمتعلقة باقتصاد الريع والفساد وسوء تدبير المال العام.

وقدمت “ترانسبارانسي المغرب”، خلال الندوة قراءة لمفهوم الريع تتجاوز المعنى الضيق المرتبط بالامتيازات الاقتصادية المباشرة أو الأرباح الاستثنائية الناتجة عن أوضاع احتكارية، لتشمل مختلف المنافع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يتم الحصول عليها بفعل مواقع النفوذ أو القرب من مراكز القرار أو عبر شبكات المصالح والزبونية.

ووفق هذا التصور، لا يتعلق الأمر فقط بمداخيل أو امتيازات، لكن بآليات لإعادة توزيع الثروة والفرص خارج منطق الاستحقاق والمنافسة، بما يسمح بإعادة إنتاج النفوذ وتراكمه داخل دوائر محددة.

واعتبرت ترانسبارانسي أن الامتيازات شكلت عبر مراحل مختلفة إحدى الأدوات المستعملة في بناء الولاءات وربط النخب الاقتصادية والاجتماعية بمراكز السلطة.

واستحضرت في هذا الإطار عددا من القراءات التي تناولت تطور العلاقة بين السلطة والثروة في المغرب، مشيرة إلى أن التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي شهدتها البلاد لم تنه، في نظرها، النقاش حول استمرار بعض مظاهر الامتيازات بأشكال جديدة داخل الاقتصاد الوطني.

وضمن هذا النقاش، حضر ملف المأذونيات باعتباره أحد الأمثلة التي كثيرا ما يجب استحضارها عند الحديث عن اقتصاد الريع. فهذه الامتيازات، التي تمنح حقوق استغلال ومداخيل دون ارتباط مباشر بالإنتاج أو الاستثمار، ظلت لسنوات موضوع نقاش حول مدى انسجامها مع منطق اقتصاد السوق والمنافسة وتكافؤ الفرص.

ولم يكن الحديث عن الريع منفصلا عن النقاش السياسي، إذ ربطت الجمعية بين شبكات المصالح الاقتصادية وبين شروط التنافس السياسي، معتبرة أن بعض الامتيازات الاقتصادية لا تقتصر آثارها على السوق فقط، وإنما تمتد إلى المجال السياسي والانتخابي، بما يطرح أسئلة مرتبطة بتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات والتمثيلية الديمقراطية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

المحروقات والدعم العمومي.. حين تعود الملفات المثيرة للجدل إلى الواجهة

من بين الملفات التي استأثرت بحيز واسع من الندوة، برز ملف المحروقات باعتباره أحد أكثر المواضيع إثارة للنقاش منذ قرار تحرير الأسعار ورفع الدعم. فمنذ ذلك التحول، ظل الجدل قائما حول طبيعة المنافسة داخل القطاع، وحول مدى استفادة المستهلك من التحرير، وحول قدرة مؤسسات الضبط على ضمان شروط المنافسة السليمة.

وخلال العرض، استحضرت الجمعية معطيات سبق أن كانت موضوع نقاش داخل البرلمان ومجلس المنافسة. وأشارت إلى أن الأرباح الإضافية المتراكمة التي حققتها شركات توزيع المحروقات تجاوزت 80 مليار درهم إلى حدود سنة 2025، بعدما كانت اللجنة البرلمانية الاستطلاعية قد قدرت الأرباح الإضافية بحوالي 17 مليار درهم سنة 2018. كما أعادت التذكير بالأرقام التي وردت في إحدى مشورات مجلس المنافسة والتي تحدثت عن أرباح في حدود 1.84 مليار درهم لفائدة الموزعين الرئيسيين، وهو ما يعكس استمرار الجدل حول حقيقة الأرباح المحققة داخل القطاع.

هذا الملف أعاد بدوره إلى الواجهة النقاش حول مجلس المنافسة، خاصة بعد الأزمة التي عرفها سنة 2020 على خلفية معالجة ملف المحروقات وما أعقبها من إعفاء رئيسه السابق إدريس الكراوي. واعتبر متدخلون أن تلك المرحلة شكلت محطة مفصلية في النقاش المرتبط باستقلالية المؤسسات المكلفة بحماية المنافسة وضبط الأسواق.

كما جرى التوقف عند التعديلات القانونية والمؤسساتية التي أعقبت تلك الأزمة، وما أثارته من تساؤلات حول طبيعة أدوار المجلس وحدود تدخله في الملفات الاقتصادية الكبرى. وأشارت الجمعية إلى أن عددا من المقترحات الرامية إلى تسقيف الأسعار أو مراجعة شروط المنافسة داخل القطاع لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ما أبقى النقاش مفتوحا حول النموذج المعتمد في تدبير سوق المحروقات.

وفي هذا السياق، دعت الجمعية إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع، وإعادة تقييم آثار التحرير، وتعزيز آليات المراقبة والضبط، وإحياء نشاط التكرير الوطني، وتوضيح المسؤوليات المرتبطة بالمخزون الاستراتيجي للمواد النفطية، بما يضمن شروط منافسة أكثر فعالية ويحمي مصالح المستهلكين.

ومن المحروقات إلى قطاع الماشية واللحوم، انتقلت الندوة إلى ملف آخر لا يقل إثارة للجدل، حيث اعتبرت الجمعية أن هذا الورش يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية وشفافية تدبير المال العام. فرغم الاعتمادات المالية الكبيرة التي تمت تعبئتها خلال السنوات الأخيرة لمواجهة آثار الجفاف وارتفاع الأسعار، فإن الأثر الملموس على أسعار السوق والقدرة الشرائية ظل محل نقاش واسع.

وأشار المتدخلون إلى أن جزءا مهما من الدعم العمومي لم ينعكس بالشكل المنتظر على المستهلك النهائي، في وقت استفادت فيه فئات من الوسطاء والمستوردين والفاعلين الاقتصاديين من هوامش ربح مهمة، ما أعاد طرح إشكالات مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع وهيمنة بعض الفاعلين على حلقات أساسية داخل القطاع، خاصة في مجالي الأعلاف والوساطة.

وفي هذا السياق، جرى التوقف عند الدور الذي لعبته بعض الأعمال الصحافية الاستقصائية في إثارة النقاش حول هذا الملف، ومن بينها التحقيق الذي أنجزه الصحافي يوسف الحيرش حول ما أصبح يعرف إعلاميا بملف “الفراقشية”. وقد استحضر هذا العمل باعتباره مثالا على الدور الذي يمكن أن تضطلع به الصحافة الاستقصائية في تتبع مسارات الدعم العمومي وتفكيك شبكات المصالح المرتبطة ببعض القطاعات الاقتصادية، خاصة في سياقات تتسم بتعدد المتدخلين وتشابك حلقات الوساطة وصعوبة تتبع مسارات المال العام داخل سلاسل طويلة من الإنتاج والتوزيع.

كما اعتبر متدخلون أن أهمية هذا النوع من التحقيقات لا تكمن فقط في كشف معطيات ظرفية أو حالات معزولة، وإنما في إضاءة مناطق ظلت لفترة طويلة خارج الاهتمام المباشر للنقاش العمومي والمؤسساتي، وهو ما يساهم في إعادة ترتيب أولويات النقاش حول السياسات العمومية ذات الصلة بالدعم والحكامة.

ورأى المتدخلون أن مثل هذه الأعمال لا تقدم أحكاما جاهزة بقدر ما تساهم في توسيع دائرة النقاش العمومي وإتاحة معطيات إضافية للرأي العام، كما تعيد طرح أسئلة مرتبطة بالحكامة والشفافية وطرق تدبير الأموال العمومية ومدى انعكاسها على الفئات المستهدفة.

كما تطرق العرض إلى ما وصفه المتدخلون باختلالات مرتبطة بأسواق الماشية والمجازر التقليدية والاقتصاد غير المهيكل، مع الإشارة إلى تحديات تتعلق بالتهرب الضريبي وضعف المراقبة وتداخل مسارات التسويق.

وجرى التذكير بأن حجم الدعم العمومي الموجه للقطاع قارب 76 مليار درهم خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع الجمعية إلى الدعوة لتقييم شامل لأوجه صرفه ونتائجه الاقتصادية والاجتماعية.

وفي السياق ذاته، انتقدت الجمعية رفض تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بشأن أوجه صرف الدعم العمومي الموجه لاستيراد الماشية واللحوم، معتبرة أن النقاش حول هذا الملف يندرج ضمن متطلبات الشفافية وتمكين الرأي العام من الاطلاع على المعطيات المرتبطة بتدبير الأموال العمومية.

استقلالية المؤسسات ومكافحة الفساد.. أسئلة الإصلاح التي لا تغيب

لم يكن ملف الفساد بعيدا عن مختلف المحاور التي ناقشتها الندوة. فالجمعية قدمت الريع والفساد باعتبارهما ظاهرتين متداخلتين تتغذيان من السياقات نفسها. فمن جهة يسمح الريع بتراكم الامتيازات والمصالح، ومن جهة أخرى قد يوفر الفساد، في بعض الحالات، الوسائل التي تضمن استمرار تلك الامتيازات أو حمايتها.

وفي تقييمها لوضعية مكافحة الفساد، عبرت الجمعية عن قلقها من محدودية النتائج المحققة رغم تعدد البرامج والاستراتيجيات التي أطلقت خلال السنوات الماضية. كما سجلت أن عددا من الآليات المرتبطة بالتصريح بالممتلكات والحق في الحصول على المعلومات وحماية المبلغين والشهود ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالتفعيل والنجاعة.

وتوقف النقاش عند الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، حيث اعتبر متدخلون أن الحصيلة المسجلة لا تعكس الطموحات التي صاحبت إطلاقها. كما أثيرت تساؤلات بشأن التنسيق بين المؤسسات المعنية بالحكامة والنزاهة والرقابة، ومدى قدرتها على تحويل المبادئ المعلنة إلى نتائج ملموسة.

وحضر موضوع الإفلات من العقاب باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للقلق في نظر المتدخلين، بالنظر إلى تأثيره المباشر على الثقة في المؤسسات وعلى فعالية آليات الرقابة والمحاسبة. كما شددت الجمعية على أهمية استقلالية مؤسسات الحكامة والرقابة والضبط الاقتصادي، معتبرة أن فعاليتها تظل شرطا أساسيا لحماية المال العام وضمان المنافسة السليمة.

وخلال الندوة، استحضر بعض المتدخلين اسم المناضل الراحل سيون أسيدون باعتباره أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالدفاع عن العدالة الاجتماعية ومناهضة الاحتكار واقتصاد الامتيازات، في إشارة إلى أن الأسئلة المرتبطة بالعلاقة بين السلطة والثروة ما تزال حاضرة بقوة في النقاش العمومي المغربي.

وفي ختام أشغالها، خلصت الجمعية إلى أن معالجة الاختلالات المرتبطة بالريع والفساد لا يمكن أن تتم عبر إجراءات ظرفية أو حلول جزئية، وإنما عبر إصلاحات هيكلية تشمل تعزيز استقلالية مؤسسات الحكامة والرقابة، وضمان فعالية أجهزة الضبط الاقتصادي، وتحصينها من تضارب المصالح، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبين المحروقات والدعم العمومي، وبين المأذونيات  ورهانات الانتخابات واستقلالية المؤسسات وآليات مكافحة الفساد، أعادت الندوة طرح أسئلة قديمة متجددة حول الحكامة الاقتصادية والعدالة في توزيع الفرص والثروة.

أسئلة لم تقدم الندوة أجوبة نهائية عنها بقدر ما أعادت وضعها في واجهة النقاش العمومي، تاركة المجال مفتوحا أمام المؤسسات والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمدنيين لمواصلة البحث في كيفية بناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومؤسسات أكثر شفافية، وسياسات عمومية أكثر قدرة على تحقيق الأثر المنتظر لدى المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى