من قرار دولة إلى ورقة انتخابية.. الساعة الإضافية تغيّر عقارب السياسة

حسين العياشي

خبر_ قدّم الجدل المتجدد حول الساعة الإضافية مشهدا سياسيا لافتا، بعدما تحولت من قرار ظل لسنوات يُقدَّم باعتباره خارج دائرة السجال السياسي، إلى ورقة تتنافس الأحزاب على استثمارها في خطابها الموجه إلى الناخبين. وبين من وصفها في وقت قريب بأنها قضية ذات طابع سيادي، ومن جعل إلغائها وعدا انتخابيا، يطفو سؤال واحد إلى السطح: هل يتعلق الأمر فعلا بملف سيادي، أم بسياسة عمومية قابلة للمراجعة والتعديل؟

هذا السؤال أعاد طرحه أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، معتبرا أن ما عرفه هذا الملف خلال الأسابيع الأخيرة يكشف مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها، بعدما تغيرت طبيعة الخطاب المحيط بالساعة الإضافية بصورة لافتة.

وأوضح البوز أن الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان قد أكد، قبل أسابيع، أن الساعة الإضافية ليست مجرد خيار إداري أو تدبير من تدابير السياسة العمومية، وإنما قضية ذات بعد سيادي، بما يفيد أنها تتجاوز نطاق التجاذب الحزبي والنقاش السياسي التقليدي.

غير أن الصورة لم تلبث أن انقلبت رأسا على عقب، بعدما أعلن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عزمه إلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينيتش إذا ما نال حزبه ثقة الناخبين في الاستحقاقات المقبلة، رغم أن اعتماد هذا التوقيت تم خلال المرحلة التي كان الحزب نفسه يقود فيها الحكومة.

ولم يتوقف التحول عند هذا الحد، إذ أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش التوجه نحو إنهاء العمل بالساعة الإضافية والعودة إلى توقيت غرينيتش ابتداء من متم الصيف الجاري، وهو ما اعتبره البوز تطورا جعل الرأي العام يكتشف أن الملف الذي كان يُقدَّم بالأمس باعتباره خارج التداول السياسي، أصبح اليوم موضوعا للوعود والبرامج الانتخابية.

ويرى أستاذ القانون الدستوري أن هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: إذا كانت الأحزاب تملك حق مراجعة مواقفها وتغيير أولوياتها بحسب تطورات المرحلة، فمن حق المواطنين، في المقابل، أن يتساءلوا عما إذا كانت الساعة الإضافية بالفعل قضية سيادية لا يجوز إخضاعها للنقاش العمومي، أم أنها مجرد قرار إداري وسياسة عمومية يمكن مراجعتها متى اقتضت المصلحة ذلك.

ويعتبر البوز أن الواقعة تكشف، في جوهرها، طبيعة العلاقة المتغيرة بين المواقف السياسية ومواقع الفاعلين داخل السلطة وخارجها، إذ كثيراً ما تتبدل المواقف بتبدل مواقع الأغلبية والمعارضة، وتتقدم الاعتبارات السياسية والانتخابية أحيانا على منطق الثبات في المواقف، أو حتى على القناعات التي كانت تُرفع سابقا باعتبارها غير قابلة للنقاش.

ورغم هذا الجدل، يؤكد المتحدث أن قرار العودة إلى توقيت غرينيتش، أيا تكن خلفياته أو دوافعه السياسية، يظل خطوة تلقى ترحيبا واسعا، لأنها تضع نهاية لسنوات من النقاش الذي رافق الساعة الإضافية، والتي لم ينظر إليها عدد كبير من المغاربة باعتبارها مجرد تعديل في عقارب الساعة، بل بوصفها عبئا يوميا أربك مواعيدهم وأنماط عيشهم، حتى استقرت في الوعي الشعبي باعتبارها “ساعة من الجحيم” تعود مع كل موسم لتجدد الجدل والامتعاض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى