باب سبتة.. معبر إلى أوروبا أم بوابة للمعاناة؟

بشرى عطوشي
تحليل _ مع بداية كل موسم صيفي، يتجدد مشهد أصبح مألوفاً لآلاف المسافرين المغاربة والأجانب الراغبين في دخول إسبانيا عبر معبر باب سبتة.
طوابير طويلة من السيارات، ساعات من الانتظار تحت أشعة الشمس، وأعصاب منهكة قبل الوصول إلى نقطة المراقبة الحدودية، إنها معاناة تتكرر عاماً بعد عام دون أن تلوح في الأفق حلول جذرية قادرة على إنهاء واحدة من أكثر الأزمات الحدودية استمرارية في المنطقة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطات عن تطوير البنيات التحتية وتحسين آليات التدبير الحدودي، يجد المسافر نفسه أمام واقع مختلف تماماً، فترات انتظار قد تتجاوز سبع ساعات، وأحياناً تمتد إلى أكثر من ذلك خلال أيام الذروة، خاصة في شهري يوليوز وغشت، حيث يتضاعف عدد العابرين نحو مدينة سبتة ومنها إلى باقي التراب الإسباني والأوروبي.
وتبدأ رحلة المعاناة قبل الوصول إلى المعبر نفسه، حيث يضطر المسافر إلى الالتحاق بطوابير طويلة تمتد على مسافات كبيرة، وسط غياب فضاءات كافية للاستراحة أو الخدمات الأساسية.
ومع التقدم البطيء نحو نقطة العبور، يواجه المسافر مرحلتين من المراقبة؛ الأولى مغربية والثانية إسبانية، قبل أن تبدأ إجراءات التدقيق في الوثائق وجوازات السفر والتأشيرات والبيانات البيومترية.
غير أن السؤال الذي يطرحه المتضررون كل صيف هو: من المسؤول عن استمرار هذه الأزمة؟
الواقع أن المسؤولية تبدو مشتركة بين عدة أطراف، فمن جهة، تعتبر إسبانيا معبر سبتة حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي، ما يجعلها تخضع لمعايير أمنية صارمة تفرض مراقبة دقيقة للمسافرين والوثائق. ومن جهة أخرى، يطرح مراقبون تساؤلات حول مدى قدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب التدفقات الموسمية المتزايدة، وحول نجاعة التنسيق الميداني بين مختلف الأجهزة المتدخلة على جانبي الحدود.
كما أن الارتفاع المتواصل في أعداد المسافرين خلال فصل الصيف جعل المعبر يشتغل فوق طاقته الاستيعابية الفعلية. فالمنشآت التي صممت لعدد معين من العابرين أصبحت اليوم مطالبة باستقبال أعداد أكبر بكثير، دون أن تواكبها توسعة موازية أو تحديث شامل لمنظومة العبور.
لكن العامل الأكثر إثارة للانتباه هو أن الأزمة ليست جديدة. فمنذ سنوات تتكرر الشكاوى نفسها وتتكرر معها الوعود ذاتها، دون أن يلمس المسافر تحسناً جوهرياً في زمن العبور. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب التأخر في معالجة الملف رغم معرفة جميع الأطراف بمكامن الخلل.
ويرى عدد من المتابعين أن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد عناصر المراقبة أو فتح ممرات إضافية خلال فترات الذروة، بل يتطلب رؤية شاملة تقوم على تحديث أنظمة المراقبة الرقمية، وإعادة تنظيم تدفقات المركبات قبل الوصول إلى المعبر، واعتماد آليات للحجز المسبق أو التدبير الذكي للمواعيد خلال المواسم الحساسة.
كما أن تحسين التنسيق العملياتي بين السلطات المغربية والإسبانية يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليص فترات الانتظار، خاصة إذا تم توحيد بعض الإجراءات أو تبادل المعطيات بشكل أكثر سرعة وفعالية، بما يخفف من التكرار الذي يطيل زمن العبور.
وفي انتظار ذلك، يبقى آلاف المسافرين رهائن لساعات طويلة من الانتظار كل صيف، في مشهد أصبح جزءاً من ذاكرة العبور نحو أوروبا. وبينما تتطور المعابر الحدودية في مناطق عديدة من العالم نحو الرقمنة والسرعة، ما زال باب سبتة يطرح السؤال نفسه كل عام: لماذا تستمر الأزمة رغم معرفة الجميع بأسبابها، ومتى يتحول الحديث عن الحلول من الوعود إلى الواقع؟





