الصحة النفسية بالمغرب.. إصلاحات واعدة وواقع يفرض تحديات أكبر

حسين العياشي
خبر_ اخرجت الصحة النفسية نفسها من دائرة الصمت، لتتحول إلى واحد من أكثر الملفات إلحاحا داخل المنظومة الصحية المغربية، بعدما لم تعد الاضطرابات النفسية حالات معزولة، بل انعكاساً لتحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، كشفت محدودية العرض الصحي أمام طلب يتزايد عاما بعد آخر.
وتشير آخر المعطيات التي قدمتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى أن المغرب يتوفر على 3230 مهنيا متخصصا في الصحة النفسية والعقلية، من بينهم 593 طبيبا نفسيا و76 طبيبا متخصصا في طب نفس الأطفال، وهي أرقام تعكس تحسنا مقارنة بما سجله المجلس الأعلى للحسابات في تقريره لسنتي 2023-2024. غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يخفي حقيقة أكثر تعقيدا، تتمثل في غياب معطيات وطنية حديثة تقيس الحجم الحقيقي للاضطرابات النفسية وتطور الطلب على العلاج.
وفي غياب دراسات جديدة، لا تزال نتائج البحث الوطني حول انتشار الاضطرابات النفسية، المنجز بين سنتي 2003 و2006، المرجع الأساسي لفهم حجم الظاهرة. وتشير نتائجه إلى أن نحو نصف المغاربة قد يعانون اضطراباً نفسياً خلال مرحلة من حياتهم، فيما تصدّر الاكتئاب قائمة الاضطرابات الأكثر انتشاراً، متبوعاً باضطرابات القلق، ثم الاضطرابات الذهانية والفصام.
ويربط المختصون تزايد الإقبال على خدمات الصحة النفسية بجملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها البطالة، وتآكل شبكات الدعم الأسري، وتسارع وتيرة الحياة الحضرية، فضلاً عن التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تؤثر في النوم والتركيز والصحة النفسية، خصوصاً لدى فئة الشباب. كما لا تزال التداعيات النفسية التي خلفتها جائحة “كوفيد-19” تلقي بظلالها على فئات واسعة من المجتمع.
غير أن الأزمة لا تقف عند حدود ارتفاع الطلب، بل تمتد إلى طبيعة الولوج إلى العلاج. فكثير من المرضى لا يقصدون الطبيب إلا بعد أشهر، وأحياناً سنوات، بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي أو إخضاع معاناتهم لتفسيرات غير طبية، وهو ما يجعل التدخل العلاجي يتم في مراحل متأخرة، بعد أن تكون المعاناة قد أثقلت كاهل المريض وأسرته معاً.
ويزداد الوضع تعقيداً بفعل التفاوت المجالي في توزيع الخدمات، إذ تتركز البنيات المتخصصة في عدد محدود من المدن، بينما يتحول البعد الجغرافي بالنسبة لسكان المناطق النائية إلى عائق إضافي أمام العلاج، فضلاً عن استمرار كلفة الرعاية النفسية كأحد أبرز أسباب عدم تكافؤ الولوج إليها.
وفي المقابل، يؤكد مهنيون أن إصلاح القطاع لا يقتصر على رفع عدد الأطباء أو توسيع البنيات الاستشفائية، بل يقتضي بناء مسار علاجي متكامل يبدأ من مراكز الرعاية الصحية الأولية، ويعزز حضور الأخصائيين النفسيين داخل المدارس والجامعات ومؤسسات الشغل، إلى جانب ترسيخ ثقافة الوقاية ومحاربة الوصم الذي لا يزال يحاصر المرضى.
وبين الإصلاحات التي شرع المغرب في تنزيلها، والانتظارات التي يفرضها الواقع، تبدو الصحة النفسية اليوم امتحاناً حقيقياً لقدرة المنظومة الصحية على مواكبة مجتمع تتغير تحدياته بوتيرة أسرع من استجابة مؤسساته.





