لماذا يعبر المغاربة المضيق بحثاً عن صيفٍ آخر.. ماذا تخسر السياحة الوطنية عندما تصبح إسبانيا وجهة الحلم؟

بشرى عطوشي
تحليل_ مع كل صيف، يتكرر المشهد نفسه. طوابير طويلة من السيارات تتجه شمالاً، وأسر تحمل حقائبها وأحلامها نحو الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلق الأمر هذه المرة بالهجرة ولا بالبحث عن فرصة عمل، بل برحلة استجمام قصيرة. بضعة كيلومترات بحرية فقط تفصل بين المغرب وإسبانيا، لكنها تكشف في أحيان كثيرة عن مسافة أكبر بكثير؛ مسافة تتعلق بالسعر والخدمة والجودة وشعور المواطن بقيمة ما يدفعه مقابل ما يحصل عليه.
لقد أصبح عبور المضيق بالنسبة لآلاف المغاربة طقساً صيفياً سنوياً، حتى بدا وكأن بعض المدن الإسبانية تحولت إلى امتداد موسمي للفضاء السياحي المغربي. وفي الوقت الذي تكتظ فيه موانئ العبور والمسالك المؤدية إلى الثغور الشمالية، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: لماذا يختار المغربي أن ينفق جزءاً من مدخراته خارج بلده، بينما يمتلك المغرب واحداً من أغنى التنوعات الطبيعية والسياحية في المنطقة؟
الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بنقص في المؤهلات. فالمغرب بلد منحته الجغرافيا بسخاء ما يكفي ليكون قوة سياحية عالمية. من شواطئ المتوسط والأطلسي إلى جبال الأطلس الشاهقة، ومن المدن العتيقة إلى الواحات والصحاري والقرى الجبلية، يبدو وكأن الطبيعة والتاريخ قد عقدا تحالفاً استثنائياً لصناعة وجهة متكاملة. ومع ذلك، يجد عدد متزايد من المواطنين أن متعة العطلة توجد في مكان آخر.
المفارقة التي تتردد على ألسنة الكثيرين تكمن في أن السفر إلى إسبانيا لم يعد بالضرورة خياراً أكثر تكلفة. فبين أسعار الإقامة المرتفعة في بعض الوجهات المغربية، وتكاليف المطاعم والخدمات والترفيه، يكتشف العديد من الأسر أن الميزانية نفسها قد توفر لهم في إسبانيا تجربة أكثر راحة وتنظيماً. هنا لا تصبح المنافسة بين بلدين، بل بين نموذجين في تقديم الخدمة السياحية.
فالسائح المعاصر لم يعد يبحث عن البحر فقط، بل عن التجربة الكاملة. يريد شاطئاً نظيفاً، ومرافق محترمة، وأسعاراً واضحة، ومساحات عمومية منظمة، وخدمة يشعر معها بأنه ضيف مرحب به لا مجرد مصدر دخل موسمي. وحين يفتقد هذه العناصر في بعض الوجهات المحلية، يبدأ في البحث عنها خارج الحدود.
لكن اختزال الظاهرة في الجانب الاقتصادي وحده سيكون ظلماً للحقيقة. فهناك أيضاً بُعد نفسي وثقافي لا يمكن تجاهله. فالسفر إلى الخارج يحمل دائماً سحر الاكتشاف وتغيير الروتين وكسر المألوف. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي حولت السياحة إلى تجربة جماعية يتشاركها الناس بالصور والمقاطع والذكريات، ما عزز جاذبية الوجهات الخارجية لدى فئات واسعة من الشباب والأسر.
غير أن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة ليس ارتفاع عدد المسافرين نحو إسبانيا، بل الرسالة الضمنية التي تحملها. إنها رسالة تقول إن جزءاً من المواطنين بات مقتنعاً بأن جودة الخدمة خارج الوطن تفوق ما يجده داخله. وهذه القناعة، إن ترسخت، تصبح تحدياً حقيقياً أمام مستقبل السياحة الداخلية.
إن الدفاع عن المنتوج السياحي الوطني لا يكون عبر لوم المواطنين على اختياراتهم، بل عبر الإنصات إلى أسباب تلك الاختيارات. فالسائح المغربي ليس زبوناً من الدرجة الثانية، ولا ينبغي أن يشعر بأنه مطالب بدفع أسعار مرتفعة مقابل خدمات متواضعة. إن المعركة الحقيقية تبدأ من تحسين الجودة، وضبط الأسعار، ومحاربة الفوضى الموسمية، وإعادة الاعتبار لثقافة الاستقبال والاحترام.
فحين يشعر المواطن أن عطلته داخل بلده تمنحه قيمة مضافة وجودة تضاهي ما يجده في الخارج، لن يكون بحاجة لعبور المضيق بحثاً عن صيفٍ آخر. وعندها فقط سيتحول البحر الفاصل بين المغرب وإسبانيا من جسرٍ لعبور السياح إلى شاهدٍ على نجاح نموذج سياحي وطني استطاع أن يقنع أبناءه أولاً قبل أن يغري زواره من الخارج.
لأن السياحة الناجحة لا تُقاس بعدد الفنادق المشيدة ولا بعدد الوافدين الأجانب فقط، بل تُقاس أيضاً بمدى اقتناع المواطن نفسه بأن أجمل عطلة يمكن أن يقضيها هي تلك التي يعيشها في وطنه.





