تقرير يكشف الوجه الخفي للحماية الاجتماعية: خوارزميات الاستهداف قد تُفقر الطبقة المتوسطة

حسين العياشي

تقرير_ حذّر تقرير حديث للمعهد المغربي لتحليل السياسات من أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية، رغم ما حققه من توسع غير مسبوق في التسجيل والاستفادة الاسمية، يواجه تحديا أكثر عمقا يتمثل في ضمان الأثر الفعلي للإصلاح، معتبرا أن الخطر لم يعد مرتبطا بإطلاق البرامج بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرتها على تحقيق الأمن الاجتماعي الذي وعد به القانون الإطار رقم 09.21.

فبعد سنوات من انطلاق أحد أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخ المملكة، يرى التقرير أن النقاش لم يعد ينبغي أن ينحصر في عدد المسجلين داخل المنظومة، وإنما في سؤال أكثر حساسية: هل يشعر المواطن فعلاً بأن الحماية الاجتماعية أصبحت تحميه؟

ورغم الإقرار بالمكاسب التي تحققت، من توسيع التغطية الصحية وارتفاع أعداد المستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر، فإن التقرير يعتبر أن هذه الأرقام تخفي تحديات بنيوية قد تحد من الأثر الحقيقي للإصلاح إذا لم تُعالج في الوقت المناسب.

ويخصص التقرير محوره الرابع لما يسميه “محك الأثر الفعلي”، حيث ينتقل من لغة الأرقام إلى مساءلة النتائج الملموسة، متوقفا عند ما وصفه بالارتدادات العكسية التي صاحبت تنزيل الورش، ومثيرا تساؤلا لافتا حول ما إذا كانت بعض هذه الاختلالات مجرد آثار جانبية طبيعية لإصلاح واسع، أم أنها نتيجة خيارات بنيوية صاحبت تصميم السياسات العمومية نفسها.

وفي هذا السياق، ينتقد التقرير اعتماد مقاربة استهداف يعتبر أنها لم تعد تقتصر على توجيه الدعم نحو الفئات الأكثر هشاشة، بل أصبحت، في بعض الحالات، تُنتج وضعيات جديدة من الهشاشة داخل الطبقة المتوسطة. فآليات التنقيط والخوارزميات المعتمدة في السجل الاجتماعي الموحد قد تؤدي إلى فقدان الاستفادة بسبب تغييرات طفيفة في المؤشر الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يخلق حالة دائمة من عدم اليقين لدى الأسر المستفيدة، ويجعلها تعيش تحت هاجس فقدان الدعم في أي لحظة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يلفت التقرير إلى أن السحب المفاجئ للإعانات المالية قد يدفع بعض الأسر إلى تغيير نمط عيشها بشكل اضطراري، عبر تقليص نفقات أساسية مرتبطة بالسكن أو التعليم أو الخدمات الضرورية، وهو ما يحول الحماية الاجتماعية، في بعض الحالات، من أداة للاستقرار إلى مصدر للقلق الاجتماعي.

كما يرصد التقرير مفارقة أخرى يصفها باللافتة، تتمثل في الترابط غير المنسجم بين برامج الدعم المختلفة. فعدد من الأسر المستحقة للتعويضات العائلية تجد نفسها مطالبة أولا بأداء اشتراكات أو ديون متراكمة لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قبل الاستفادة من الدعم، في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يشكل هذا الدعم نفسه مدخلا لتسهيل الولوج إلى باقي الحقوق الاجتماعية، لا شرطا إضافيا لتعقيدها.

ومن زاوية أخرى، يشير التقرير إلى أن التأخر في تنزيل عدد من الالتزامات الأساسية للقانون الإطار لا يزال يلقي بظلاله على الورش برمته. فبينما تأخر إطلاق بعض البرامج عن الآجال المحددة، لم يتم بعد تعميم الاستفادة من المعاشات والتعويض عن فقدان الشغل، كما أن نسبة كبيرة من المنخرطين، خاصة في بعض أنظمة التأمين، لا تستفيد فعليا من الخدمات الصحية رغم تسجيلها داخل المنظومة، بسبب ما يعرف بـ”الحقوق المغلقة” وصعوبات فتح الحقوق.

ويرى التقرير أن جزءا من هذه الإكراهات يعود إلى بطء إخراج بعض النصوص القانونية والتنظيمية، واستمرار تعدد المتدخلين، وتأخر توحيد تدبير أنظمة التأمين الإجباري عن المرض، الأمر الذي ينعكس على جودة الخدمات ويُبقي الفوارق قائمة بين المستفيدين.

وفي المحصلة، يخلص التقرير إلى أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يُقاس مستقبلا بحجم الميزانيات أو بعدد المسجلين، وإنما بمدى تحول الحق القانوني إلى منفعة اجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. ولذلك يدعو إلى الانتقال من منطق “التعميم الاسمي” إلى منطق “الحماية الفعلية”، عبر تعزيز الاستدامة المالية، وتبسيط شروط الاستفادة، وتطوير الحكامة، وضمان ألا يتحول الاستهداف إلى أداة لإنتاج هشاشة جديدة بدل الحد منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى