قانون فرنسي جديد يقلب موازين مراكز النداء بالمغرب

حسين العياشي
خبر_ يستعد قطاع مراكز النداء بالمغرب لدخول مرحلة توصف بأنها من أكثر مراحله حساسية، مع اقتراب موعد دخول قانون فرنسي جديد حيز التنفيذ في 11 غشت القادم، يحمل معه قواعد غير مسبوقة قد تعيد رسم العلاقة بين شركات التسويق الهاتفي والمستهلكين، وتلقي بظلالها على آلاف مناصب الشغل المرتبطة بالسوق الفرنسية.
ويفرض التشريع الفرنسي، الذي صدر سنة 2025، مبدأ جديدا يقوم على الموافقة المسبقة والصريحة للمستهلك قبل إجراء أي اتصال هاتفي ذي غرض تجاري، منهيا بذلك العمل بالنظام السابق الذي كان يسمح بالتواصل مع الأفراد خلال أيام وساعات محددة، شريطة احترام ضوابط تنظيمية معينة.
وبموجب هذه المقتضيات، لم يعد يكفي أن تتضمن العقود أو الشروط العامة للخدمة عبارة فضفاضة تفيد قبول المستهلك للاتصالات التجارية، إذ يشترط القانون أن تكون الموافقة حرة وواضحة ومحددة وقابلة للسحب في أي وقت، وأن تصدر عبر إجراء إيجابي لا يترك مجالا للالتباس، مثل اختيار خانة مخصصة لذلك لا تكون محددة مسبقا.
ولا تقف تداعيات هذا التحول عند حدود التراب الفرنسي، بل تمتد مباشرة إلى المغرب، حيث ترتبط شريحة واسعة من مراكز النداء بعقود مع شركات فرنسية تنشط في مجالات الاتصالات والطاقة والتأمين والخدمات. ويشكل التسويق الهاتفي بالنسبة إلى عدد كبير من هذه المراكز العمود الفقري لنشاطها الاقتصادي، ما يجعل أي تغيير في قواعد السوق الفرنسية ذا أثر مباشر على وتيرة اشتغالها.
ويعتمد هذا النموذج الاقتصادي، في جزء كبير منه، على استهداف زبناء محتملين عبر قواعد بيانات للأرقام الهاتفية، غير أن القواعد الجديدة ستجعل الوصول إلى هؤلاء أكثر تعقيدا وكلفة، بعدما أصبح الحصول على موافقة مسبقة شرطا أساسيا قبل إجراء أي اتصال تجاري. وهو واقع قد يدفع عددا من الفاعلين إلى مراجعة استراتيجياتهم، وإعادة هيكلة طرق الاشتغال، أو الاستثمار في نماذج جديدة تقوم على قواعد بيانات مؤهلة وخدمات أقل اعتمادا على ما يعرف بـ”المكالمات الباردة”.
ورغم الصرامة التي جاء بها القانون، فإنه لم يغلق الباب بشكل كامل أمام جميع الاتصالات الهاتفية. فقد أبقى على استثناءات تتيح للشركات التواصل مع زبنائها إذا كان الاتصال مرتبطا بعقد قائم ويدخل في نطاق تنفيذه، كما استثنى المكالمات ذات الطابع الخيري وغير التجاري. أما بالنسبة للمهنيين، فستظل الاتصالات التجارية ممكنة، شريطة إبلاغهم بكيفية استعمال أرقامهم الهاتفية وتمكينهم من حق الاعتراض بسهولة ودون أي مقابل.
ويرى متابعون أن هذا التحول التشريعي لا يمثل مجرد تعديل قانوني، بل يعكس توجها أوروبيا متزايدا نحو تشديد حماية المعطيات الشخصية وتعزيز حق المستهلك في التحكم بوسائل التواصل التي يتلقاها، وهو ما يفرض على الفاعلين الاقتصاديين، داخل فرنسا وخارجها، التكيف مع بيئة تنظيمية أكثر تشددا.
ومع اقتراب موعد سريان القانون، تتجه فرنسا إلى تضييق الخناق على المكالمات التسويقية غير المرغوب فيها، في خطوة قد تعيد رسم خريطة نشاط مراكز النداء المرتبطة بالسوق الفرنسية، وتضع القطاع بالمغرب أمام اختبار حقيقي لقدرته على التأقلم مع قواعد لعبة جديدة، تختلف كثيرا عن تلك التي اعتاد العمل في ظلها خلال السنوات الماضية.





