الغيلاني لـ”إعلام تيفي”: العلاقات المغربية الفرنسية انتقلت من إعادة بناء الثقة إلى ترسيخها

أميمة حدري

اختتمت، اليوم الخميس بالرباط، أشغال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو، بالتوقيع على حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملت قطاعات استراتيجية وحيوية، تنفيذا للالتزامات التي جرى الاتفاق بشأنها خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة، وبما يكرس توجها نحو توسيع مجالات التعاون لمواكبة التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.

ويأتي انعقاد هذا الاجتماع، في سياق يشهد تحولات استراتيجية وتاريخية في العلاقات بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي، والتي دشنت مرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، انتقلت خلالها من إطار التعاون التاريخي والدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية معمقة ومتعددة الأبعاد تشمل المجالات الاقتصادية والأمنية والطاقية والاجتماعية والثقافية والعسكرية، إلى جانب تعزيز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، خاصة ما يرتبط بأفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وقضايا السلم والأمن العالمي.

إعادة بناء وتعزيز منسوب الثقة بين الرباط وباريس

وفي قراءته لانعقاد هذا الاجتماع في الظرفية الحالية، اعتبر الغالي الغيلاني، المحلل السياسي، أن هذا الاجتماع يندرج ضمن الدينامية الجديدة التي تعرفها العلاقات المغربية الفرنسية، ويعكس إرادة البلدين في إرساء شراكة استراتيجية أكثر عمقا تقوم على التنسيق المستمر والتعاون في مختلف المجالات، وفق الرؤية التي يقودها قائدا البلدين.

وأوضح الغيلاني في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية تعزز بشكل واضح بعد الموقف الفرنسي الداعم للوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها على أقاليمها الجنوبية، مبرزا أن باريس أكدت أن حاضر ومستقبل الصحراء يوجدان في إطار السيادة المغربية، كما أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد والأوحد لهذا النزاع الإقليمي الذي امتد لما يقارب نصف قرن، مع مواصلة مساندة الموقف المغربي داخل مختلف المحافل الأممية والدولية.

وأضاف أستاذ العلوم القانونية بجامعة القاضي عياض بمراكش أن الاجتماع رفيع المستوى يهدف إلى ترسيخ مبدأ الاحترام المتبادل بين البلدين في إطار دبلوماسية تقوم على احترام السيادة الوطنية، كما يهدف إلى إعادة بناء وتعزيز منسوب الثقة بين الرباط وباريس، مشيرا إلى أن مستوى التمثيل الرسمي، بحضور رئيس الحكومة المغربية والوزير الأول الفرنسي وعدد كبير من الوزراء من الجانبين، يعكس الأهمية التي يوليها قائدا البلدين لمنح هذه العلاقات زخم سياسيا واستراتيجيا جديدا.

وأكد المتحدث أن هذا الاجتماع لا يقتصر على بحث ملفات التعاون الثنائي أو توقيع الاتفاقيات، بل يشكل آلية مؤسساتية للتتبع والمراقبة، بما يضمن تنزيل الاتفاقيات المبرمة وتطويرها بشكل يواكب التحولات الإقليمية والدولية، لاسيما في ظل الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.

العلاقات المغربية الفرنسية تجاوزت مرحلة إعادة بناء الثقة

وفي السياق ذاته، أبرز الغيلاني أن فرنسا تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة استراتيجية نحو القارة الأفريقية، خاصة في ظل تراجع نفوذها الجيوسياسي بمنطقة الساحل والصحراء، مشيرا إلى أن المملكة رسخت مكانتها كفاعل إقليمي في مجالات الأمن والتنمية ومواجهة تحديات الهجرة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، وهو ما جعل باريس تعلن دعمها للمبادرات الاستراتيجية التي أطلقها الملك محمد السادس، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية الأفريقية، ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، إضافة إلى مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي.

وسجل رئيس مركز الدبلوماسية الدولية أن العلاقات المغربية الفرنسية تستند أيضا إلى عمق تاريخي يعكس متانة الروابط بين البلدين، موضحا أن أول زيارة خارجية قام بها الملك محمد السادس بعد اعتلائه العرش كانت إلى فرنسا سنة 2000، كما كان المغرب أول وجهة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انتخابه سنة 2017، وهو ما يجسد المكانة الخاصة التي تحظى بها المملكة في السياسة الخارجية الفرنسية.

وأشار الغيلاني إلى أن العلاقات الثنائية لا تقتصر على التعاون الرسمي بين الحكومتين، بل تمتد إلى مجالات أكاديمية وعلمية وثقافية واسعة، بما يعزز الطابع الشامل لهذه الشراكة ويمنحها بعدا يتجاوز الإطار السياسي والدبلوماسي.

وخلص الغيلاني إلى أن العلاقات المغربية الفرنسية تجاوزت مرحلة إعادة بناء الثقة، لتنتقل إلى مرحلة ترسيخ الثقة، القائمة على الاحترام المتبادل والتنسيق الشامل والتعاون متعدد الأبعاد، بما يعكس تطور الشراكة بين البلدين واستجابتها لمختلف التحديات الإقليمية والدولية، ويؤكد الإرادة المشتركة للرباط وباريس في مواصلة الارتقاء بعلاقاتهما الاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى