التحول الطاقي بالمغرب.. استثمارات كبرى ورؤية استراتيجية متواصلة

أميمة حدري
يشكل قطاع الطاقة أحد أهم الأوراش الاستراتيجية التي راهن عليها المغرب خلال العقود الأخيرة، باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز السيادة الوطنية ومواكبة التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.
وفي ظل الارتفاع المتواصل للطلب على الطاقة، وتقلبات الأسواق الدولية، والتحديات المرتبطة بأمن الإمدادات والتغيرات المناخية، اختارت المملكة انتهاج مسار استباقي يقوم على بناء نموذج طاقي متكامل يرتكز على تنويع مصادر الإنتاج، والتوسع في استغلال الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات التحتية، وتحفيز الاستثمار، بما يضمن تحقيق أمنها الطاقي وتعزيز تنافسية اقتصادها.
ويستند هذا التحول إلى رؤية ملكية استراتيجية قادها الملك محمد السادس، الذي جعل من الانتقال الطاقي خيارا وطنيا وأحد أعمدة النموذج التنموي للمملكة، من خلال إطلاق إصلاحات هيكلية ومشاريع كبرى غيرت ملامح القطاع، ورسخت موقع المغرب ضمن الدول الرائدة إقليميا في مجال الطاقات النظيفة.
ومنذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطاقة سنة 2009، عملت المملكة على الانتقال من نموذج يعتمد بشكل كبير على استيراد مصادر الطاقة إلى نموذج يقوم على تثمين الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها البلاد، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، مع توجيه استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية الكهربائية وربطها بمشاريع الإنتاج الجديدة.
وتترجم الأرقام الرسمية حجم هذا التحول. فبحسب وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بلغت القدرة الكهربائية المركبة بالمغرب حوالي 12 ألفا و16 ميغاواط خلال سنة 2025، فيما ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة إلى 45.3 في المائة من إجمالي القدرة الكهربائية المركبة، بعدما كانت لا تتجاوز مستويات محدودة قبل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطاقة.
كما تواصل المملكة تنفيذ برنامجها الرامي إلى رفع هذه النسبة إلى أكثر من 52 في المائة بحلول سنة 2030، في إطار التزاماتها الوطنية والدولية المتعلقة بالانتقال الطاقي وخفض الانبعاثات الكربونية. وتؤكد هذه المؤشرات أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية، مستندا إلى رؤية بعيدة المدى جعلت من الاستثمار في الطاقة النظيفة خيارا سياديا وليس مجرد استجابة للمتغيرات الدولية.
ولم يقتصر هذا التوجه على رفع القدرة الإنتاجية، بل شمل إطلاق واحدة من أكبر الديناميات الاستثمارية في تاريخ القطاع. فقد أعلن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب عن برنامج استثماري يمتد بين سنتي 2025 و2030 بقيمة تناهز 177 مليار درهم، يهدف إلى تعزيز المنظومة الكهربائية الوطنية، منها 100 مليار درهم مخصصة لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة بإنتاج إضافي يصل إلى 12.5 جيغاواط، إلى جانب إنجاز محطات لتخزين الكهرباء باستعمال البطاريات، وتوسيع شبكة النقل الكهربائي، وإحداث محطات جديدة تعمل بالغاز الطبيعي لضمان مرونة المنظومة الكهربائية واستقرارها في ظل الارتفاع المتزايد لحصة الطاقات المتجددة.
وتعد المشاريع المهيكلة التي أطلقها المغرب تجسيدا عمليا لهذه الرؤية. فقد أصبح المركب الشمسي “نور” بورزازات أحد أبرز المشاريع العالمية في مجال الطاقة الشمسية، فيما واصلت المملكة تطوير مزارع الرياح في عدد من الجهات، بالتوازي مع مشاريع لتحلية مياه البحر تعتمد على الطاقات المتجددة، بما يعكس تكامل السياسات العمومية بين الأمن المائي والأمن الطاقي.
كما انخرط المغرب في سباق الهيدروجين الأخضر عبر إطلاق “عرض المغرب”، الذي يستهدف استقطاب كبار المستثمرين العالميين وتطوير صناعة جديدة قادرة على إنتاج وتصدير الوقود الأخضر ومشتقاته، مستفيدا من الموقع الجغرافي للمملكة وقربها من الأسواق الأوروبية.
وفي السياق نفسه، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية بالقارة الإفريقية، إذ لا يقتصر دوره على تأمين إمدادات الغاز للمغرب، بل يمتد إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي بين بلدان غرب إفريقيا، وربط أسواق الطاقة الإفريقية بالأوروبية، بما يكرس البعد الإفريقي للرؤية الملكية القائمة على الشراكة جنوب-جنوب، والتنمية المشتركة، وتحويل مشاريع البنية التحتية إلى رافعة للتكامل الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
وتنعكس هذه الدينامية على جاذبية الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت المملكة وجهة مفضلة للاستثمارات الدولية في مجالات الطاقة النظيفة والصناعات المرتبطة بها، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الكهرباء منخفضة الكربون والهيدروجين الأخضر.
كما يساهم هذا التحول في تقليص فاتورة الواردات الطاقية، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وتهيئة الظروف لإحداث منظومة صناعية متكاملة تعتمد على الطاقة النظيفة كمحرك للنمو.
ويؤكد هذا المسار أن الرؤية الملكية لم تقتصر على معالجة الإكراهات الآنية المرتبطة بالطاقة، بل أسست لتحول هيكلي طويل الأمد يجعل من الأمن الطاقي ركيزة للسيادة الوطنية والتنمية المستدامة. فبفضل استثمارات ضخمة، وإصلاحات مؤسساتية وتشريعية، ومشاريع استراتيجية ذات بعد وطني وإقليمي، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل رئيسي في خريطة الطاقة النظيفة، واضعا نصب عينيه بناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، في انسجام مع طموحه للتحول إلى قطب إقليمي في إنتاج وتصدير الطاقة الخضراء.





