برؤية محمد السادس.. إفريقيا تقترب من استقلالها الصحي

حسين العياشي
خبر – عزّز المغرب موقعه داخل القارة الإفريقية بوصفه أحد أبرز الفاعلين في صياغة معالم الأمن الصحي الإفريقي، بعدما تحولت مشاركته في القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي، المنعقدة بالعاصمة الغانية أكرا يومي 21 و22 يوليوز، من مجرد حضور دبلوماسي إلى عرض متكامل لرؤية تراهن على بناء سيادة صحية إفريقية قوامها الإنتاج المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتكريس التعاون جنوب-جنوب.
و وفقا للزميلة “جون أفريك” فقد جاءت القمة، التي انعقدت تحت شعار “تعزيز العدالة والإنصاف والتغطية الصحية الشاملة”، في سياق تتسابق فيه الدول الإفريقية لتدارك اختلالات كشفتها الأزمات الصحية العالمية، وعلى رأسها جائحة “كوفيد-19″، وما أبانت عنه من هشاشة الاعتماد المفرط على الخارج في توفير اللقاحات والأدوية والتجهيزات الطبية. ولم تعد رهانات القارة تقتصر على مكافحة الأمراض أو توسيع الولوج إلى العلاج، بل امتدت إلى معركة أكثر عمقاً تتعلق بامتلاك القرار الصحي واستقلالية المنظومات الطبية.
وفي هذا السياق، برز المغرب حسب المصدر ذاته، حاملا تصورا متكاملا يستند إلى الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تجعل من الصحة رافعة للتكامل الإفريقي، لا مجرد قطاع اجتماعي. فالمملكة لم تكتف بتطوير بنيتها الصحية الوطنية، بل عملت على تحويل خبرتها إلى نموذج للتعاون الإقليمي، يقوم على تقاسم الإمكانات والخبرات بدل الاكتفاء بمنطق المساعدات الظرفية.
ولم يكن هذا التوجه وليد اللحظة، إذ رسخته المملكة خلال جائحة كورونا عندما بادرت إلى إرسال مساعدات طبية إلى نحو عشرين بلدا إفريقيا، شملت كمامات وأدوية ومعدات وقائية صُنعت محليا، في خطوة اعتُبرت آنذاك تجسيدا عمليا لدبلوماسية التضامن، ورسخت قناعة مفادها أن الأمن الصحي المغربي لا ينفصل عن الأمن الصحي للقارة بأكملها.
وتعزز هذا المسار بقدرات صناعية متنامية جعلت المغرب ثاني أكبر مصدر للأدوية في إفريقيا، مع توجيه جزء مهم من إنتاجه نحو أسواق إفريقيا جنوب الصحراء، في إطار رؤية تعتبر التصنيع الدوائي المشترك مدخلاً لتحرير القارة من الارتهان للأسواق العالمية وتقلبات سلاسل الإمداد الدولية.
ويأتي مشروع “ماربيو” بمدينة بنسليمان ليجسد هذه الرؤية على أرض الواقع، باعتباره منصة صناعية متخصصة في إنتاج اللقاحات والتكنولوجيا الحيوية، تراهن المملكة من خلالها على إرساء قطب قاري قادر على تلبية جزء مهم من الاحتياجات الصحية الإفريقية، مع نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى شركائها داخل القارة، بما يعزز مفهوم السيادة الطبية المشتركة بدل الاكتفاء بالاكتفاء الذاتي الوطني.
وفي موازاة هذا البعد الصناعي، يؤكد كاتب المقال أن المغرب يواصل إصلاح منظومته الصحية الداخلية بوتيرة متسارعة، عبر توسيع التغطية الصحية الإجبارية لتشمل نحو 71 في المائة من السكان، وإطلاق برنامج واسع لتأهيل حوالي 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية باستثمارات تفوق 6.43 مليارات درهم، إلى جانب رقمنة الخدمات الصحية من خلال تعميم الملف الطبي المشترك والبطاقة الصحية الإلكترونية، وهي أوراش ينظر إليها عدد من الدول الإفريقية باعتبارها تجربة قابلة للاستلهام.
ولا تتوقف مساهمة المملكة عند حدود الاستثمار في البنية التحتية أو الصناعة الدوائية، بل تمتد إلى بناء الرأسمال البشري، بعدما أصبحت كليات الطب والمستشفيات الجامعية المغربية وجهة لتكوين مئات الطلبة والأطباء والأطر الصحية من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، بدعم من الوكالة المغربية للتعاون الدولي، في حين يضطلع مختبر المراقبة التابع لـ”ماربيو” بدور مركز مرجعي لتكوين الكفاءات الإفريقية في مراقبة جودة المنتجات البيولوجية، دعماً لمسار إحداث الوكالة الإفريقية للأدوية.
وتعكس هذه الدينامية تحوّلاً في مفهوم التضامن الإفريقي، إذ لم يعد يقتصر على الاستجابة للأزمات الطارئة، بل بات يتجه نحو بناء منظومة قارية متكاملة، تقوم على توحيد المعايير الدوائية، وتقوية القدرات الإنتاجية، وتنسيق السياسات الصحية، بما يجعل من الصحة إحدى ركائز الاندماج الإفريقي.
وفي ظل هذا التحول، تبدو قمة أكرا محطة مفصلية في إعادة رسم ملامح الجغرافيا الصحية للقارة، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول مواجهة الأمراض، بل حول امتلاك إفريقيا لأدوات علاجها وصناعة مستقبلها الصحي بنفسها. وفي هذا المشهد، يواصل المغرب تقديم نفسه باعتباره شريكاً في بناء هذا المستقبل، من خلال مقاربة تجمع بين الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتغليب منطق الشراكة على منطق التبعية.





