من مراكز الرعاية إلى الاستغلال الجنسي.. تفكيك شبكة تستهدف قاصرات مهاجرات في إسبانيا

مديحة المهادنة
خبر_كشفت عملية أمنية في جزيرة غران كناريا الإسبانية عن وجه شديد الخطورة لشبكات الاتجار بالبشر، بعدما تمكنت Guardia Civil من تفكيك تنظيم إجرامي يُشتبه في استهدافه قاصرات مهاجرات غير مصحوبات كنّ يقمن داخل مراكز للرعاية والحماية، قبل إخراجهن من الجزيرة ونقلهن إلى إسبانيا القارية وفرنسا لاستغلالهن جنسياً.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية الإسبانية، فإن الشبكة كانت تستغل وضعية الفتيات الهشة، خصوصاً غياب السند العائلي والحواجز اللغوية وعدم معرفتهن الكافية بالبيئة القانونية والاجتماعية التي يوجدن فيها. ولم تكتف الشبكة بالاستدراج، بل تولت تسهيل مغادرة القاصرات لمراكز الحماية، وتوفير وثائق مزورة أو تعود لأشخاص آخرين، ثم ترتيب رحلاتهن ونقلهن خارج الأرخبيل.
انطلقت القضية بعد عودة إحدى الفتيات من فرنسا إلى إسبانيا، حيث كانت قد خضعت للرعاية في غران كناريا. وأبلغت المحققين بأنها وقعت ضحية استدراج بعدما تلقت وعوداً بالحصول على عمل، قبل أن تجد نفسها في مسار مختلف تماماً انتهى بالاستغلال الجنسي.
هذه الشهادة شكلت نقطة التحول في التحقيق، الذي قاد إلى الكشف عن آلية منظمة لاستقطاب القاصرات وترتيب خروجهن من مراكز الرعاية ونقلهن إلى وجهات أخرى.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، فإن العملية الأمنية، التي حملت اسم “JABANY”، أسفرت عن توقيف خمسة أشخاص، من بينهم قاصر يُشتبه في أنه كان يساهم في استقطاب فتيات أخريات من داخل المركز. كما تمكنت السلطات من تحرير ضحيتين ومنع مغادرة أربع فتيات أخريات يُعتقد أن الشبكة كانت تستهدفهن.
المعطيات الأولية تظهر أن التنظيم لم يكن يعتمد على شخص واحد أو أسلوب عشوائي، بل على توزيع للمهام بين أفراد يتولون استقطاب الضحايا، وتدبير الوثائق، واقتناء تذاكر السفر ومرافقة الفتيات حتى المطار.
وتشير التحقيقات إلى أن بعض القاصرات نُقلن أولاً من جزر الكناري إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، قبل مواصلة الرحلة نحو فرنسا، حيث تعرضت بعض الضحايا للاستغلال الجنسي.
وخلال عمليات التفتيش، عثرت السلطات على وثائق يُشتبه في تزويرها، وصور شخصية، وأجهزة إلكترونية ومبالغ مالية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات مفتوحة لتحديد العدد الكامل للضحايا المحتملات وتفكيك باقي امتدادات الشبكة.
خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في طبيعة الجرائم المشتبه فيها، وإنما في اختيار الضحايا تحديداً من بين قاصرات مهاجرات غير مصحوبات، أي فتيات يوجدن أصلاً داخل منظومة الحماية الاجتماعية الإسبانية.
وهنا تطرح القضية سؤالاً أكبر من مجرد تفكيك شبكة إجرامية: كيف تمكنت عناصر الشبكة من الوصول إلى قاصرات موجودات داخل مراكز يفترض أن تكون أكثر الأماكن أماناً بالنسبة إليهن؟
فالقضية تكشف أن شبكات الاتجار بالبشر لا تتحرك بالضرورة في المناطق الهامشية فقط، بل يمكنها محاولة اختراق منظومات الرعاية نفسها، مستفيدة من الثغرات التي تتركها هشاشة الضحايا أو ضعف المتابعة أو سهولة التواصل مع أشخاص من خارج المراكز.
وتزامن الكشف عن هذه الشبكة مع عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش في إسبانيا، خصوصاً بعد التدفق الكبير للمهاجرين إلى مدينة سبتة المحتلة في نهاية يوليوز، وما ترتب عنه من وصول أعداد كبيرة من القاصرين غير المصحوبين إلى المدينة.
وتشير تقارير إسبانية حديثة إلى أن السلطات أحصت أكثر من ألف طفل ومراهق في سبتة في سياق الأزمة الأخيرة، بينما تستعد الحكومة الإسبانية لإجراءات لنقل عدد من القاصرين إلى مناطق أخرى داخل البلاد، في محاولة لتخفيف الضغط عن منظومة الاستقبال المحلية.
القاسم المشترك بين القضيتين هو هشاشة القاصر المهاجر غير المصحوب، وهي هشاشة يمكن أن تتحول إلى فرصة بالنسبة لشبكات الاتجار والاستغلال.
ولهذا فإن التعامل مع ملف القاصرين المهاجرين لا يمكن أن يتوقف عند ضبط الحدود أو تنظيم عمليات الاستقبال. فكلما طال بقاء القاصر خارج حماية أسرية مستقرة، وكلما كانت وضعيته القانونية والاجتماعية غير واضحة، ازدادت الحاجة إلى آليات صارمة للرصد والمتابعة والحماية من الاستغلال.
عملية غران كناريا تضع هذه المسألة أمام السلطات الإسبانية والأوروبية بصورة مباشرة: حماية القاصرين لا تنتهي عند إنقاذهم من مخاطر الطريق، بل تبدأ أيضاً داخل مراكز الاستقبال، حيث يفترض أن يكونوا في مأمن من شبكات الاتجار.





