أحداث سبتة.. الغالي لـ”إعلام تيفي”: توجه بنكيران إلى الملك مباشرة يطرح سؤال الثقة في الحكومة

أميمة حدري

على إثر الزوبعة الإعلامية التي أعقبت تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، بشأن مراسلته الملك محمد السادس للاستفسار عن حقيقة ما جرى في سبتة والفنيدق يوم 30 يوليوز المنصرم، يرى محمد الغالي، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، أن خطوة زعيم حزب سياسي في مخاطبة الملك تظل مؤطرة بقواعد الهندسة الدستورية للنظام السياسي المغربي، وبتمفصلات العلاقة بين السلطات ومبدأ الفصل بينها.

وأوضح الغالي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن قراءة هذه المبادرة تستوجب، أولا، التمييز بين مخاطبة الملك بصفته أميرا للمؤمنين وحامي حمى الملة والدين والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وبين مخاطبته بصفته رئيسا للدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، فضلا عن احترام التعهدات الدولية للمملكة.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن دلالات رسالة بنكيران لا يمكن فصلها عن سياقها، كما لا يمكن عزلها عن الضوابط المؤسساتية والأعراف والممارسات التي تؤطر التواصل السياسي بين مختلف الفاعلين، سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية أو المسؤولين الحكوميين أو الموظفين السامين. واعتبر أن تقييم هذه الخطوة يقتضي التوقف عند مقاصدها ورهاناتها وتطلعاتها، سواء كانت صريحة أو ضمنية، إلى جانب استحضار أبعاد أخرى سياسية وأخلاقية وأدبية ونفسية، فردية وجماعية.

وبحسب الغالي، فإنه من الناحية التقنية والدستورية لا يوجد مانع يحول دون توجه أي مواطن أو فاعل سياسي إلى الملك لإثارة الانتباه إلى موضوع يرتبط بأحد الروابط التي تجمع الملك بالمواطنين بصفته رئيسا للدولة، أو بالرعايا بصفته أميرا للمؤمنين. غير أن غياب المانع الدستوري المباشر لا يلغي، في تقديره، مشروعية التساؤل حول ضرورة هذا النوع من المبادرات وانعكاساته على هندسة العلاقة بين السلطات وعلى مبدأ ربط المسؤولية بالاختصاص.

وفي هذا السياق، توقف الغالي عند مضمون مراسلة بنكيران، التي طلب فيها معرفة ما وقع في سبتة والفنيدق ومن دبره وكيف، في محاولة للوقوف على حقيقة وخلفيات موجة النزوح الجماعي للشباب نحو مدينة سبتة المحتلة يوم 30 يوليوز، بالتزامن مع عيد العرش. ولفت إلى أن خروج بنكيران إلى العلن بعد نحو أسبوعين، وتصريحه بأنه لم يتلق، إلى حدود لحظة إدلائه بكلمته، أي جواب ولا يزال ينتظره، إلى جانب انتقاده لعدم رد الحكومة وصمتها وغياب التفاعل السياسي والميداني الذي كان ينتظره مع الأزمة، ينقل النقاش من المستوى الدستوري والتقني إلى المستوى السياسي.

ويرى عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة أن السؤال السياسي الأبرز الذي تطرحه هذه الخطوة يتعلق بسبب تجاوز الحكومة، ممثلة في رئيسها، والتوجه مباشرة إلى الملك، خصوصا أن بنكيران سبق له أن مارس مسؤولية رئاسة الحكومة في ظل دستور 2011، ويعرف طبيعة الصلاحيات التي يمنحها الدستور للحكومة في مجال السياسات العمومية، بما فيها الملفات المرتبطة بالهجرة والأمن الوطني.

وطرح الغالي في هذا السياق أكثر من احتمال بشأن خلفيات المبادرة، متسائلا عما إذا كان توجه بنكيران مباشرة إلى الملك يعكس فقدانا للثقة في الحكومة الحالية، أو يمثل بالنسبة إليه ملاذا أخيرا بعد عدم حصوله على الأجوبة التي كان ينتظرها، بما يعكس في الوقت ذاته مكانة الملك الدستورية والاعتبارية والدينية لديه، أم أن الخطوة قد تكون لها رهانات سياسية مرتبطة بموقع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وبوضع الحزب في المشهد السياسي.

وبحسب المتحدث، فإن بعض القراءات السياسية لهذه الخطوة تعتبر أنها قد تساهم في خلق الشك تجاه المؤسسات الدستورية أو الانتقاص من أدوارها، خصوصا عندما يتم تجاوز المؤسسات المختصة والتوجه مباشرة إلى أعلى هرم الدولة لطلب جواب أو تدخل. معتبرا أن هذا النوع من السلوك قد يطرح إشكالا يتعلق بمبدأ توزيع المسؤوليات، باعتبار أن النظام السياسي يفترض أن تتحمل كل مؤسسة مسؤوليتها في حدود اختصاصاتها وصلاحياتها، وأن تبذل ما يلزم للقيام بالمهام المنوطة بها.

وفي المقابل، لا يستبعد الغالي قراءة مبادرة بنكيران من زاوية أخرى، تستحضر الثقافة الإسلامية التقليدية في علاقة الحاكم بالرعية، وما تتيحه من إمكانية اللجوء إلى أعلى سلطة في الدولة طلبا للعدل أو رفعا للظلم أو دفعا لضرر أو خطر. ومن هذا المنظور، يمكن فهم خطوة بنكيران، وفق المتحدث، باعتبارها نوعا من الاستنجاد بالملك بصفته أميرا للمؤمنين، مع ما يرتبط بذلك من أعراف وآداب في أداء واجب النصيحة أو لفت الانتباه إلى قضية يعتبرها صاحبها ذات أهمية.

ولم يقف تحليل الغالي عند الأبعاد الدستورية والسياسية، إذ فتح كذلك بابا على البعد الأخلاقي، من خلال التساؤل حول قيمة الصدق في المبادرة ودوافعها الحقيقية. ويطرح في هذا المستوى سؤالا حول ما إذا كان بنكيران، بالنظر إلى تعدد صفاته وتجربته السابقة كرئيس للحكومة وأمين عام لحزب سياسي وفاعل في المجالين السياسي والديني، قد أقدم على هذه الخطوة بدافع قناعة صادقة بضرورة الحصول على جواب بشأن ما جرى في شمال المملكة، أم أن الأمر يدخل ضمن حسابات سياسية أوسع، في سياق تتداخل فيه المبادرات والمواقف مع رهانات انتخابية وحزبية.

ويكتسب هذا البعد، وفق الغالي، أهمية أكبر بالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، والتي تشكل محطة سياسية مهمة بالنسبة إلى مستقبل حزب العدالة والتنمية وموقع أمينه العام داخل المشهد السياسي. ومن ثم، فإن الربط بين الأخلاق والسياسة يفتح، بحسبه، نقاشا أوسع حول الحدود الفاصلة بين الموقف السياسي المبدئي والحسابات المرتبطة بإدارة الصراع السياسي والانتخابي.

كما استحضر الغالي، في معرض تصريحه بعدا سيكولوجيا في قراءة هذه الخرجة، دون أن يحصرها في تفسير واحد، متسائلا عما إذا كانت تعكس، في أحد أوجهها، حالة من الضيق أو الضغط النفسي الناتج عن تراكم مواقف وتجارب سياسية سابقة، أم أنها تمثل تعبيرا لفظيا عن أفكار ومشاعر كامنة يراد من إخراجها إلى العلن تخفيف التوتر وإعادة ترتيب المواقف في مواجهة وضعية سياسية صعبة.

ويمتد هذا التحليل، وفق المتحدث، إلى المستوى الجماعي، حيث يمكن النظر إلى بنكيران باعتباره شخصية سياسية تحمل معها تعبيرات ومشاعر تتجاوز الفرد إلى فئة من الأفراد أو الأنصار الذين قد يجدون في خطابه وسيلة للتعبير عن مواقف كان من الممكن أن تتخذ أشكالا أكثر احتكاكا بالمجال العام. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول الخرجة السياسية إلى نوع من صمام الأمان الذي يسمح بتصريف الاحتقان في الخطاب، بدلا من تحوله إلى سلوك جماعي قد تكون له انعكاسات على النظام العام.

وخلص محمد الغالي إلى أن رسالة بنكيران إلى الملك لا يمكن اختزالها في سؤال دستوري بسيط حول جواز مخاطبة الملك من عدمه، وإنما تفتح نقاشا أوسع حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات، وحدود الفعل السياسي، وأدوار الحكومة والأحزاب، فضلا عن الخلفيات السياسية والأخلاقية والنفسية التي قد تحكم مثل هذه المبادرات.

ولذلك، فإن فهم هذه الخطوة يقتضي، بحسبه، وضعها في سياقها المؤسساتي والسياسي والاجتماعي، وقراءة ما تقوله الرسالة صراحة وما قد تحمله ضمنيا من رهانات وتطلعات في مرحلة دقيقة تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى