الغيلاني لـ”إعلام تيفي”: المغرب لن يكون دركيا لأوروبا.. وتحميله أزمة الهجرة تهرب إسباني من المسؤولية المشتركة

مديحة المهادنة
خبر_أكد الغالي الغيلاني، الأستاذ بجامعة القاضي عياض بمراكش والباحث بالمركز الإفريقي للذكاء الاستراتيجي، أن تحميل المغرب بشكل أحادي مسؤولية موجات الهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية المحتلتين يتعارض، في نظره، مع واقع التعاون القائم بين الرباط ومدريد، ومع طبيعة ظاهرة أصبحت عابرة للحدود ولا يمكن اختزالها في مقاربة أمنية أو في مسؤولية دولة واحدة.
في تصريح لـ”إعلام تيفي” اكد الغيلاني ، إن المغرب رسخ موقعه كشريك موثوق إقليميا ودوليا في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر، مشيرا إلى أن هذا الدور سبق أن حظي بإشادة إسبانية وأوروبية ودولية، ما يجعل بعض الخطابات التي تحاول تحميل المملكة وحدها مسؤولية تدفقات الهجرة، بحسب تعبيره، “مناقضة للواقع ولمنطق حسن الجوار والتعاون بين البلدين”.
واعتبر المتحدث أن أزمة الهجرة لا يمكن التعامل معها بمنطق يجعل المغرب “دركيا للاتحاد الأوروبيط، موضحا أن الظاهرة ترتبط بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة، وتمتد جذورها إلى مناطق مختلفة، وعلى رأسها الساحل والصحراء، حيث ساهمت الأزمات الجيوسياسية والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية واتساع بؤر التوتر في دفع أعداد من الشباب إلى البحث عن مسارات للهجرة نحو أوروبا.
واستحضر الغيلاني، في هذا السياق، تصريحات سابقة لوزيرة الدفاع الإسبانية تعود إلى شتنبر 2024، قال إنها ربطت تصاعد محاولات الهجرة نحو سبتة ومليلية بتعقيدات الوضع الجيوسياسي في منطقة الساحل وبمحدودية فعالية السياسات الأوروبية هناك، إلى جانب تنامي نفوذ قوى دولية جديدة بالمنطقة.
وشدد الأستاذ الجامعي على أن معالجة الهجرة انطلاقا من المقاربة الأمنية وحدها أصبحت غير كافية، داعيا إلى مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الأمن والتنمية والسياسات الاجتماعية والبعد الإنساني، مع جعل الشباب في صلب برامج التعاون الدولي، باعتبار أن معالجة الأسباب المنتجة للهجرة تظل، في تقديره، أكثر نجاعة من الاكتفاء بإدارة نتائجها على الحدود.
وفي مقابل بعض الأصوات الإعلامية والسياسية الإسبانية التي حاولت ربط التطورات الأخيرة بالمغرب، أشار الغيلاني إلى أن وسائل إعلام إسبانية نفسها سلطت الضوء على دور شبكات الاتجار بالبشر وحملات التضليل عبر مواقع التواصل الاجتماعي في دفع الشباب إلى محاولات العبور، وهو ما يجعل، بحسبه، الفضاء الرقمي جزءاً أساسياً من منظومة الهجرة غير النظامية الحديثة.
وأضاف أن شبكات التهريب لم تعد تشتغل فقط عبر الحدود البرية والبحرية، بل تستثمر كذلك المنصات الرقمية في نشر الإشاعات والمعلومات المضللة والتحريض على التحرك الجماعي، معتبراً أن مواجهة الظاهرة باتت تحتاج أيضاً إلى آليات قانونية وتقنية وقضائية قادرة على ملاحقة هذه الشبكات وتجفيف مصادر تأثيرها.
وسجل الغيلاني أن المواقف الصادرة عن بعض المؤسسات الإسبانية تكشف، في تقديره، نوعاً من التناقض؛ فمن جهة، سبق لمسؤولين إسبان أن أشادوا بالتعاون المغربي وبمساهمة السلطات المغربية في ضبط الهجرة ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، ومن جهة أخرى تظهر بين الفينة والأخرى خطابات تحمل الرباط مسؤولية الأزمات المرتبطة بالهجرة.
واعتبر أن المطلوب من الجانب الإسباني هو «الانسجام مع مواقفه الرسمية السابقة»، وعدم إدخال ملف الهجرة في التجاذبات السياسية الداخلية أو تحويله إلى ورقة في الصراع الانتخابي، خصوصاً في ظل صعود خطاب اليمين المتطرف داخل عدد من الدول الأوروبية واستثماره المكثف لقضايا الهجرة والأمن والهوية.
وتوقف المتحدث كذلك عند البعد القانوني والقضائي للملف، معتبراً أن بعض الاجتهادات والقرارات داخل إسبانيا قد تُفهم أو تستغل من طرف شبكات الهجرة غير النظامية باعتبارها ثغرات تشجع على المزيد من محاولات العبور، ما يستدعي، حسب قوله، مراجعة آليات التنسيق القانوني والقضائي بين البلدين.
وفي ما يتعلق بالقاصرين المغاربة، شدد الغيلاني على أهمية التعاون بين الرباط ومدريد في إطار القانون والاحترام المتبادل، داعياً إلى تحمل كل طرف لمسؤوليته القانونية والمؤسساتية، بعيداً عن منطق الاتهام الأحادي أو تبادل المسؤوليات.
وخلص الدكتور الغالي الغيلاني إلى أن المغرب سيظل شريكاً أساسياً في مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه لن يقبل أن يتحمل بمفرده كلفة حماية الحدود الأوروبية، مؤكداً أن المرحلة تتطلب “جيلا جديدا من الشراكات” يقوم على تقاسم المسؤوليات والأعباء، والتنسيق الأمني والقانوني، ودعم التنمية في بلدان المصدر والعبور والاستقبال.
وأضاف أن المغرب لم يعد مجرد بلد عبور، بل أصبح أيضا بلد استقبال وإقامة للمهاجرين، وهو ما يجعل معالجة الظاهرة مسؤولية مشتركة بين دول المصدر والعبور والاستقبال، في وقت تتزايد فيه انعكاسات الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على حركة السكان والهجرة في العالم.
وبحسب الغيلاني، فإن مستقبل التعامل مع ملف الهجرة يمر عبر الانتقال من منطق “حراسة الحدود” إلى منطق الشراكة المتوازنة؛ شراكة تقوم على الاحترام والمصداقية وتقاسم المسؤولية، بعيدا عن التسييس والاتهامات المتبادلة، وبما يحول الهجرة من مصدر توتر بين المغرب وأوروبا إلى ملف للتعاون الاستراتيجي طويل المدى.





