بوريطة والدبلوماسية الصريحة.. جراحة سياسية في الملفات الشائكة ورسائل بليغة لتل أبيب و الجزائر وأديس أبابا

بشرى عطوشي 

تحليل _  لم يكن حوار وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة مع شبكتي “فرانس 24″ و”إذاعة فرنسا الدولية” (RFI) مجرد رد روتيني على أسئلة الصحفيين، بل كان بمثابة “ورشة جراحة دبلوماسية” مفتوحة، أعاد فيها الوزير ترتيب الأوراق، وكشف عن “خريطة طريق” مغربية تتسم بالبراغماتية، وضبط النفس، والوضوح البلوري.

في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية متسارعة، اختار الدبلوماسي المغربي الأول لغة “الصراحة المُحسوبة” ليميط اللثام عن مجموعة من الشائعات والمزاعم، مرسلاً رسائل مشفرة ومباشرة في آنٍ واحد، طالت القدس، الجزائر، الصحراء، وعمق القارة الإفريقية.

معادلة تل أبيب والقدس: فصل “المتغيرات” وتثبيت “الثوابت”
أولى الملفات التي استهدفتها “الدبلوماسية الصريحة” لبوريطة كانت الشائعات التي روجت لفكرة أن التطبيع مع إسرائيل جاء على حساب القضية الفلسطينية. هنا، لم يلجأ الوزير إلى المواربة، بل رسم خطاً فاصلاً بوضوح:
“العلاقات مع إسرائيل لن تغير بأي شكل موقف المملكة”.

من منظور تحليلي، يعيد بوريطة هنا تأكيد “فصل المسارات” ؛ فالمصالح التجارية والأمنية مع تل أبيب تُدار في إطار “السيادة الوطنية والمصالح العليا”، بينما تظل القضية الفلسطينية “ثابتاً استراتيجياً” لا يخضع للمقايضة. وتأكيد الوزير على تمسك المغرب بـ “حل الدولتين” ليس مجرد موقف شكلي، بل هو رسالة طمأنة للشارع العربي والإسلامي من جهة، ومناورة دبلوماسية لإثبات أن الرباط قادرة على لعب دور “الوسيط المؤثر” الذي يجمع بين قنوات الاتصال المفتوحة مع الجميع، والتمسك بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

الملف الجزائري: “دبلوماسية الصمت” في مواجهة “إفراط” التصعيد
ربما كانت الإجابات المتعلقة بالجزائر هي الأكثر جرأة ونضجاً دبلوماسياً. فبدلاً من الدخول في مهاترات ردّية، اختار بوريطة استراتيجية “التجاهل الاستراتيجي” للدبلوماسية الجزائرية، معلناً أنه **”توقف عن متابعة ما تقوله الجزائر”.

هذه الجملة وحدها تُعد ضربة معلم دبلوماسية؛ فهي تُرسل رسالة مفادها أن المغرب لم يعد يعتبر التصريحات الجزائرية أحادية الجانب ذات وزن يستدعي الرد، معتبراً أن “الإفراط في المواقف يُفقدها تأثيرها”.

المغرب لا يتخلى عن فلسطين، لا يرهق نفسه بالرد على التصعيد الجزائري، لا يقبل بالمساس بسيادته في الصحراء، ولا يقبل بالابتزاز الأيديولوجي في إفريقيا. إنها دبلوماسية الحقائق، حيث تُقال الكلمات بوضوح”

ولكن الأعمق من ذلك، هو استحضار بوريطة لحقيقة جيوسياسية بديهية حين قال: “الجغرافيا لا يمكن تغييرها”. هذه العبارة تختصر فلسفة المغرب في التعامل مع الجار الشرقي؛ فالرباط لا تراهن على تغيير الأنظمة أو الظرفيات، بل تؤمن بأن المصير المشترك يفرض التعاون. وبهذا، يضع بوريطة الكرة في ملعب الجزائر، رافضاً “رهان المستقبل” على التصعيد، ومرسلاً رسالة للعالم بأن المغرب هو طرف عاقل يبحث عن الاستقرار، بينما الطرف الآخر هو من يختار الانفرادية والقطيعة.

الصحراء والاتحاد الإفريقي: براغماتية تكشف “الازدواجية”
في ملف الصحراء، لم يكتفِ بوريطة بتكرار الموقف المألوف، بل قدم قراءة قانونية وسياسية ذكية. تأكيده أن المغرب في “حالة دفاع مشروع عن النفس” في أراضيه، يُلغي تماماً أي توصيف يحاول تسويق فكرة “النزاع المسلح” أو “الاحتلال”. والأهم من ذلك، هو كيف استخدم بوريطة “التصعيد الجزائري” في المحافل الدولية كدليل قاطع لإثبات ما كان المغرب يؤكده منذ عقود: أن الجزائر هي “الطرف الأساسي” في هذا النزاع، وليست مجرد جار مهتم.

أما فيما يخص الجدل حول إسرائيل في الاتحاد الإفريقي، فقد كشف بوريطة عن “ورقة رابحة” دبلوماسية حين ذكر أن 44 دولة إفريقية لديها علاقات مع إسرائيل. هنا، فضح الوزير بـ “صراحة” الازدواجية والمعايير المزدوجة لبعض الدول (في إشارة إلى جنوب إفريقيا)، التي ترفع شعارات أيديولوجية في أديس أبابا، بينما تُدير مصالحها الثنائية مع تل أبيب في الخفاء. الموقف المغربي هنا لم يكن دفاعياً، بل هجوماً إجرائياً يعتمد على “تطبيق النصوص” وفضح التناقضات.

ليبيا: المغرب كصمام أمان إقليمي
وفي خضم الفوضى الليبية، ظهر المغرب بمظهر “الدولة الراعية” للاستقرار. تحذير بوريطة من “الفراغ المؤسساتي” وتأكيده على دعم المسار السياسي والقرارات الأممية، يعكس رؤية الرباط للأمن القومي المغربي الذي يمتد جنوباً. المغرب لا يتدخل في التفاصيل، بل يحمي “المؤسسات” ويمنع الانزلاق نحو المربع الصفري، كحاضنة للحوار وملاذ للأطراف الليبية المتنازعة.

نهاية عصر “الدبلوماسية الضبابية”
ما قدمه ناصر بوريطة في هذا الحوار ليس مجرد دفاع عن مواقف، بل هو إعلان عن “عصر الدبلوماسية الصريحة”. لقد أثبت الوزير أن المغرب لم يعد يكتفي بردود الفعل، بل يصنع السردية الخاصة به، ويكشف الأوراق بشفافية.

لقد أسقط بوريطة الأقنعة عن الشائعات: المغرب لا يتخلى عن فلسطين، لا يرهق نفسه بالرد على التصعيد الجزائري، لا يقبل بالمساس بسيادته في الصحراء، ولا يقبل بالابتزاز الأيديولوجي في إفريقيا. إنها دبلوماسية الحقائق، حيث تُقال الكلمات بوضوح، وتُترك للقراء والمحللين والدول مهمة استيعاب عمق التحول في المقاربة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى