حمضي لـ”إعلام تيفي”: لا داعي للهلع من الدفتيريا.. لكن لا مجال للاستهانة بعودتها

أميمة حدري
عادت الدفتيريا إلى الواجهة في المغرب بعد أكثر من ثلاثة عقود من شبه الغياب، عقب تأكيد تسجيل بؤرتين عائليتين بجهة سوس-ماسة، في تطور صحي وصفه الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة، بأنه “إشارة صحية مهمة”.
وأوضح حمضي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أعلنت، في 28 شتنبر الجاري، رصد بؤرتين عائليتين محدودتين، إحداهما بعمالة أكادير إداوتنان والثانية بإقليم اشتوكة آيت باها، مشيرا إلى تأكيد حالة واحدة مخبريا، بينما تخضع ثماني حالات أخرى للتحري، من بينها حالتا وفاة.
وأضاف المتحدث أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الأطفال المعنيين إما لم يتلقوا اللقاح أو لم يستكملوا جميع الجرعات الموصى بها، معتبرا أن أهمية التطور لا تكمن فقط في عودة مرض أصبح نادرا للغاية بفضل التلقيح، وإنما أيضا في تسجيل بؤرتين عائليتين، بما يعني، في الحد الأدنى، وجود انتقال للعدوى داخل المحيط القريب للحالات المرصودة.
وأكد حمضي أن تحديد مصدر العدوى ومدى انتشار البكتيريا على أرض الواقع يظل من مهام البحث الوبائي، مذكرا في الوقت نفسه بأن الدفتيريا عادت بقوة إلى القارة الإفريقية خلال السنتين الأخيرتين، وأن دول الجوار، الجزائر وموريتانيا، تعرف بدورها عودة للمرض منذ مدة.
وأوضح الطبيب والباحث أن الدفتيريا عدوى بكتيرية تسببها أساسا بكتيريا “Corynebacterium diphtheriae”، فيما تكمن خطورتها، بحسبه، في السم الذي تنتجه بعض سلالات هذه البكتيريا، والذي يمكن أن يؤدي إلى التهاب شديد في الحلق وظهور أغشية رمادية شديدة الالتصاق، فضلا عن إمكانية انسداد المسالك التنفسية والتسبب في مضاعفات قلبية خطيرة، خصوصا التهاب عضلة القلب، إلى جانب مضاعفات عصبية.
وأشار حمضي إلى أن المرض ينتقل أساسا عن طريق الرذاذ التنفسي والمخالطة القريبة، مشددا على ضرورة البدء في العلاج بسرعة عند وجود اشتباه قوي، من خلال المضادات الحيوية ومضاد سم الدفتيريا عندما تكون الحاجة إليه قائمة ويكون متوفرا.
وربط حمضي عودة المرض أساسا بمستوى المناعة داخل المجتمع، موضحا أن السيطرة على الدفتيريا بفضل التلقيح لم تعن اختفاء البكتيريا من العالم، وأن تراجع التغطية بالتلقيح أو عدم استكمال بعض الأطفال لجرعاتهم يمكن أن يؤدي إلى تشكل جيوب من الأشخاص غير المحميين أو غير المحميين بشكل كافٍ.
كما لفت إلى أن المناعة التي يوفرها اللقاح لدى البالغين تتراجع بدورها مع مرور الوقت، ما يجعل الجرعات التذكيرية ضرورية للحفاظ على الحماية، مشيرا إلى أن منظمة الصحة العالمية تؤكد الحاجة إلى عدة جرعات وجرعات تذكيرية للحفاظ على حماية مستدامة من الدفتيريا.
وبحسب حمضي، فإن وجود البكتيريا داخل مجتمع لا يؤدي بالضرورة إلى تفش إذا كان معظم الأشخاص المحيطين بها محميين، غير أن وصولها إلى مجموعة تضم عددا كافيا من الأشخاص غير الملقحين أو غير المستكملين لجرعاتهم، أو الذين تراجعت مناعتهم، يمكن أن يوفر أرضية ملائمة لانتقال العدوى وانتشارها.
وفي السياق ذاته، اعتبر حمضي أن ظهور البؤر الأولى في منطقة أكادير يستحق اهتماما خاصا، لأنه يعكس، وفق تقديره، مشكلة مرتبطة بضعف التغطية بالتلقيح في المنطقة، محذرا من إمكانية ظهور بؤر أخرى في مناطق مختلفة إذا لم يتم التعجيل باتخاذ إجراءات واستدراك تلقيح الأطفال الذين لم يتلقوا اللقاحات أو لم يستكملوا جرعاتهم.
وربط حمضي هذا التطور بما حدث مع الحصبة “بوحمرون”، مشيرا إلى أن وباء الحصبة بدأ في المغرب أواخر سنة 2023 في عدد من أقاليم جهة سوس-ماسة، قبل أن ينتشر تدريجيا إلى جهات أخرى من المملكة، فيما أظهرت منظمة الصحة العالمية، وفق ما أورده، أن نسبة التغطية بالجرعتين من لقاح الحصبة تراجعت إلى أقل من عتبة 95 في المائة خلال السنوات التي سبقت التفشي.
واعتبر حمضي أن الحصبة تؤدي، إلى حد ما، دور “المرض الإنذاري” أو الكاشف عن وجود ثغرات في المناعة الجماعية، نظرا إلى شدة عدواها، موضحاً أن عودة الحصبة قد تكشف عن جيوب من نقص التلقيح لا تقتصر بالضرورة على لقاح الحصبة وحده، وإنما يمكن أن تعكس تأخرا أو انقطاعا أوسع في احترام البرنامج الوطني للتلقيح.
وشدد المتحدث على أن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق نسب التغطية بالنسبة إلى جميع اللقاحات في المنطقة، لكنه اعتبر أن ظهور بؤر عائلية للدفتيريا في المنطقة نفسها، بعد تجربة الحصبة، ينبغي التعامل معه باعتباره “إنذارا ثانيا جديا” بشأن احتمال وجود مجموعات من السكان لا تتمتع بحماية كافية ضد عدد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح.
ودعا حمضي إلى التعرف بسرعة على جميع مخالطي الحالات وإخضاعهم للفحوص والمتابعة وفق البروتوكولات المعتمدة، مع التحقق من وضعهم التلقيحي وضمان العلاج الوقائي الضروري، إلى جانب البحث النشط عن أي حالات أخرى محتملة.
كما شدد على ضرورة تحديد المناطق التي تسجل تغطية تلقيحية غير كافية وتنظيم حملات لاستدراك تلقيح الأطفال الذين لم يتلقوا اللقاحات أو لم يستكملوا جرعاتهم، بالتوازي مع مواصلة البحث الوبائي لتحديد مصدر العدوى ومدى انتشارها.
وفي المقابل، أكد حمضي أنه لا داعي للهلع بالنسبة إلى عموم السكان، لكنه حذر من التعامل مع عودة الدفتيريا باعتبارها مجرد حادث معزول، معتبرا أن التطور الجديد يذكر بأن النجاحات التي يحققها التلقيح ليست مكتسبات نهائية، وأن تراجع التلقيح إلى مستويات غير كافية قد يفتح المجال أمام عودة أمراض جعلها التلقيح نادرة الحضور.





