إدعاء توقيف 61 مغربيا بالجزائر يثير تحركا حقوقيا ومطالب بتحقيق مستقل وكشف مصير المحتجزين

إعلام تيفي
أثار توقيف 61 مواطنا مغربيا بمدينة وهران الجزائرية، على خلفية اتهامات بالتحضير لأعمال تخريبية، موجة من القلق الحقوقي بشأن ظروف اعتقالهم وطبيعة التهم المنسوبة إليهم، وسط مطالب بفتح تحقيق مستقل يكشف ملابسات القضية، وضمان حقوق الموقوفين، بعيداً عن تأثير التوترات السياسية بين الرباط والجزائر.
وفي بلاغ توضيحي أصدرته، اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026، أعربت الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة بوجدة عن استغرابها من الاتهامات التي تداولتها وسائل إعلام جزائرية، استنادا إلى بيانات رسمية، بشأن توقيف 61 مغربيا، من بينهم عسكري سابق، يوم الأحد 11 أكتوبر الجاري، للاشتباه في ارتباطهم بشبكة إجرامية منظمة ذات امتداد دولي والتحضير لأعمال من شأنها المساس بالأمن والنظام العام .
وشككت الجمعية في الطريقة التي قدمت بها القضية إعلاميا، معتبرة أن طبيعة الاتهامات وخطورة الوقائع المنسوبة إلى الموقوفين تستدعي تحقيقاً دقيقاً ومستقلا، بدلا من إصدار أحكام مسبقة بشأن أشخاص لم تتضح بعد ظروف توقيفهم وملابسات وجودهم فوق التراب الجزائري.
واستناداً إلى معطيات وشهادات تقول إنها جمعتها في إطار تتبع ملفات المغاربة المعتقلين والمفقودين والمحتجزين بكل من الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، رجحت الجمعية أن يكون غالبية الموقوفين من الشباب الباحثين عن فرص للهجرة نحو أوروبا، أو ممن يلجون التراب الجزائري بحثاً عن العمل في قطاعات البناء والنجارة والحدادة والصباغة والزليج وغيرها من المهن الحرفية.
وأوضحت الهيئة الحقوقية أن انتقال العمال المغاربة إلى الجزائر ليس ظاهرة حديثة، بل يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، مشيرة إلى أن بعضهم استقر هناك وأسس أسراً، في وقت أصبحت فيه مسارات الهجرة غير النظامية عبر بلدان شمال إفريقيا تشهد تنقل أشخاص من جنسيات مغاربية وإفريقية مختلفة.
وحذرت الجمعية من خطورة استغلال شبكات الاتجار بالبشر لأوضاع الشباب الراغبين في الهجرة، مؤكدة توصلها بمعطيات بشأن تورط مهاجرين، أحياناً دون علمهم، في أنشطة غير قانونية تستغلها شبكات إجرامية عابرة للحدود، وما يترتب عن ذلك من متابعات قضائية وأحكام سجنية قد تتراوح بين خمس سنوات وعشرين سنة.
وفي موقف يعكس مخاوفها من تداعيات الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، اعتبرت الجمعية أن قضية الموقوفين الـ61 لا يمكن فصلها عن سياق التوتر السياسي القائم بين الرباط والجزائر، محذرة من أن يتحمل الشباب المغاربة تبعات خلافات سياسية لا علاقة لهم بها.
وشددت على أن التعامل مع قضايا الهجرة غير النظامية ينبغي أن يستحضر أبعادها الإنسانية والاجتماعية والحقوقية، دون الاقتصار على المقاربة الأمنية، مؤكدة في المقابل ضرورة احترام المساطر القانونية وترك العدالة تأخذ مجراها الطبيعي، في إطار الضمانات المرتبطة بالمحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، طالبت الجمعية السلطات الجزائرية بفتح تحقيق حر ومستقل بشأن ظروف توقيف الشباب المغاربة واحتجازهم، مع توفير جميع الضمانات القانونية اللازمة لمحاكمة عادلة ونزيهة، داعية المنظمات الحقوقية الدولية إلى متابعة القضية ورصد أوضاع المهاجرين المحتجزين.
كما دعت إلى الكشف عن الهويات الكاملة للموقوفين وأسماء مدنهم ووثائق تعريفهم المحتجزة، حتى تتمكن عائلاتهم من معرفة مصيرهم والتواصل معهم، معتبرة أن استمرار الغموض بشأن أوضاع المعتقلين يضاعف معاناة أسرهم ويطرح إشكالات حقوقية وإنسانية تستوجب المعالجة.
وجددت الجمعية مطالبتها باحترام القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لمعاملة السجناء، المعروفة باسم “قواعد نيلسون مانديلا”، وتمكين عائلات السجناء المغاربة من الحصول على التأشيرات اللازمة لزيارة أبنائها داخل المؤسسات السجنية الجزائرية.
ولم يقتصر البلاغ على قضية الموقوفين بوهران، إذ أعادت الجمعية إثارة الوضع الإنساني للطفل المغربي أنس عيادي، البالغ من العمر خمس سنوات ونصف، مطالبة بتسريع إجراءات ترحيله إلى المغرب عبر المعبر البري وجدة–مغنية، وإعادته إلى حضن جدته من جهة الأم، في ظل وجود والديه رهن الاعتقال بالجزائر، وصدور حكم بالسجن النافذ لمدة سنتين في حق والدته.
وفي سياق متصل، عبرت الجمعية عن ارتياحها لتسليم السلطات الجزائرية دفعات من السجناء المغاربة الذين استوفوا مدد محكومياتهم، لكنها شددت على ضرورة اتخاذ إجراءات إضافية لمعالجة الملفات الإنسانية العالقة، خصوصاً تلك المرتبطة بالمهاجرين والأسر التي تفرقت بسبب الاعتقال أو إغلاق الحدود.
ودعت الهيئة ذاتها إلى إعادة فتح الحدود البرية المغربية الجزائرية ورفع القيود المفروضة على التنقل بين البلدين، أو على الأقل إحداث ممرات إنسانية تسمح بتخفيف معاناة آلاف الأسر التي تجمعها روابط القرابة والمصاهرة على جانبي الحدود.
وأكدت أن معاناة العائلات المغربية لا تنفصل عن معاناة الأسر الجزائرية والتونسية والإفريقية التي فقدت أبناءها في مسارات الهجرة غير النظامية، معتبرة أن مواجهة شبكات الاتجار بالبشر تقتضي معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة، وليس الاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية.
وأعلنت الجمعية عزمها تنظيم ندوة صحفية خلال الفترة المقبلة، لتقديم مزيد من المعطيات بشأن قضية المغاربة الـ61 الموقوفين بوهران، وتسليط الضوء على ملفات أخرى تتعلق بالمغاربة المعتقلين والمفقودين في بلدان المنطقة.
وتضع هذه المطالب قضية الموقوفين المغاربة أمام اختبار حقوقي وقضائي، يرتبط بكشف حقيقة الاتهامات الموجهة إليهم، وضمان سلامة الإجراءات القانونية، وتمكين عائلاتهم من المعلومات الضرورية بشأن أوضاعهم، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات بشأن الوقائع المنسوبة إليهم.





