الحكومة المنتظرة أمام امتحان ميزانية 2027.. أين موقع الوعود الانتخابية؟

بقلم: المعاشي محمد كاتب وباحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية ومستشار اجتماعي وقانوني

لم تكن الأمتار الأخيرة من الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 مجرد سباق نحو صناديق الاقتراع، ولا مجرد منافسة بين الأحزاب على المقاعد البرلمانية، بل كانت أيضا سباقا في تقديم البرامج والوعود، خصوصا في الملفات التي تشغل بال المغاربة: التشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية والمجالية.

واليوم، وقد انتقلت البلاد من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة تشكيل الأغلبية الحكومية، يبرز امتحان من طبيعة مختلفة، قد يكون أكثر تعقيدا من امتحان صناديق الاقتراع نفسه: امتحان الانتقال من الوعود إلى الاعتمادات المالية، ومن الخطاب الانتخابي إلى الاختيارات الميزانياتية.

والمفارقة أن الحكومة المنتظرة تجد نفسها أمام استحقاق إعداد وتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، في وقت جرى فيه التحضير لهذا المشروع، أو لجزء مهم من توجهاته، خلال ولاية الحكومة السابقة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ستكون ميزانية 2027 أول تعبير مالي عن البرنامج الحكومي المرتقب، أم مجرد امتداد لاختيارات مالية وُضعت قبل تشكيل الأغلبية الجديدة؟

أولا: حين تسبق الميزانية الحكومة

من المعلوم أن إعداد مشروع قانون المالية ليس عملا تقنيا ينجز في أيام معدودة، بل هو مسار مؤسساتي ومالي يتطلب تحديد الفرضيات الاقتصادية، وتقدير الموارد والنفقات، وضبط التوازنات، وترتيب الأولويات القطاعية.

ولهذا، فإن الحكومة المنتظرة لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل ترث التزامات مالية وبرامج جارية ومشاريع استثمارية واختيارات سبق اعتمادها.

وهذا أمر طبيعي تفرضه استمرارية الدولة والمرافق العمومية.

غير أن استمرارية الدولة لا تعني بالضرورة استمرارية جميع الاختيارات السياسية، وإلا فما الجدوى من التنافس الانتخابي وتقديم برامج مختلفة إلى المواطنين؟

فالأحزاب التي خاضت الانتخابات ببرامجها الخاصة، ثم اجتمعت داخل أغلبية حكومية واحدة، مطالبة اليوم بتوضيح ما ستحتفظ به من التزاماتها، وما ستراجعه أو تؤجله، وكيف ستوفق بين طموحاتها والموارد المالية المتاحة.

وهنا تحديدا يبدأ الفرق بين أغلبية تتفق على تشكيل الحكومة، وأغلبية تتفق على مشروع سياسي واجتماعي قابل للتنفيذ.

ثانيا: البرامج الانتخابية أمام لغة الأرقام

خلال الحملة الانتخابية، تتكرر عادة عناوين كبرى تكاد تجمع عليها مختلف الأحزاب: خلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم، وتأهيل المنظومة الصحية، ودعم القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

لكن هذه العناوين، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على جدية البرامج.

فحين يعد حزب بتوفير فرص الشغل، من حق المواطن أن يعرف القطاعات المستهدفة، وعدد المناصب الممكن إحداثها، وكلفتها، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها.

وحين يلتزم بتحسين المدرسة العمومية أو الخدمات الصحية، يصبح السؤال عن الاعتمادات المخصصة، والموارد البشرية، ومؤشرات جودة الخدمات، وليس فقط عن حجم الميزانيات المعلنة.

أما الحديث عن العدالة الاجتماعية والمجالية، فلا ينبغي أن يظل مجرد شعار، بل يفترض أن ينعكس في كيفية توزيع الموارد والاستثمارات بين الجهات، وفي قدرة السياسات العمومية على الوصول إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.

فالميزانية، في نهاية المطاف، ليست مجرد جدول للمداخيل والنفقات، وإنما ترجمة رقمية للاختيارات السياسية والاجتماعية للحكومة.

ومن هنا، فإن أول مشروع قانون مالية ستتبناه الحكومة المنتظرة سيشكل مؤشرا مهما على المسافة الفاصلة بين ما قيل للمواطنين قبل الانتخابات وما يمكن الالتزام به بعد تشكيل الحكومة.

ثالثا: هل تتحمل الحكومة المنتظرة مسؤولية اختيارات الحكومة السابقة؟

قد يكون من غير المنصف تحميل الحكومة المنتظرة كامل المسؤولية عن مشروع مالي لم تشرف على جميع مراحل إعداده.

لكن من غير المقبول، في المقابل، أن يتحول هذا المعطى إلى مبرر مسبق لتأجيل الالتزامات الانتخابية أو التنصل منها.

فالمسؤولية السياسية لا تتحدد فقط بمن أعد المشروع في بدايته، بل أيضاً بمن تبناه ودافع عنه أمام البرلمان، وبمن سيتولى تنفيذه وتقييم نتائجه.

والحكومة المنتظرة ستتوفر، في حدود الإمكانات والقيود القانونية والمالية، على هامش لترتيب الأولويات وإدخال التعديلات المناسبة، سواء أثناء إعداد الصيغة النهائية للمشروع أو خلال مناقشته وفق المساطر الدستورية والتشريعية.

ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من أعد ميزانية 2027؟

بل: ما الذي ستغيره الحكومة المنتظرة في هذه الميزانية حتى تصبح منسجمة، ولو تدريجياً، مع الالتزامات التي حصلت على أساسها أحزاب الأغلبية على ثقة الناخبين؟

رابعا: الشباب والقطاعات الاجتماعية… أين موقعها في الأولويات المالية؟

إذا كانت الاستحقاقات الانتخابية قد أعادت قضايا الشباب والتشغيل والتعليم والصحة إلى صدارة الخطاب السياسي، فإن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من إعلان الاهتمام بهذه القضايا إلى إثباته في القرارات المالية.

فالشباب الذي ينتظر فرصة عمل لا تعنيه كثيرا كثرة البرامج بقدر ما تعنيه قدرته الفعلية على الاندماج في سوق الشغل.

والأسرة التي تواجه صعوبات في تعليم أبنائها أو الولوج إلى العلاج لا تقيس نجاح السياسات العمومية بحجم التصريحات، وإنما بما يتحسن في المدرسة والمستشفى والخدمات الأساسية.

كما أن الابتكار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات مرشحة لإعادة تشكيل سوق الشغل، تفرض إدراج تأهيل الشباب للمهن الجديدة ضمن الأولويات، حتى لا تظل برامج التكوين والتشغيل متأخرة عن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

وإذا كانت البلاد مقبلة على استثمارات وأوراش كبرى، فإن الرهان الحقيقي يكمن أيضاً في مدى قدرتها على خلق فرص شغل مستدامة، وتحقيق أثر اجتماعي ومجالي متوازن.

فليس المطلوب المفاضلة المطلقة بين المشاريع الكبرى والحاجيات الاجتماعية، وإنما ضمان التكامل بينهما، حتى يشعر المواطن بأن التنمية لا تُقاس فقط بحجم المنشآت المنجزة، بل كذلك بتحسن شروط عيشه.

خامسا: من المسؤولية الجماعية إلى المحاسبة السياسية

إن اجتماع عدة أحزاب داخل أغلبية حكومية مرتقبة يطرح إشكالاً آخر لا يقل أهمية عن إشكال التمويل، يتعلق بتحديد المسؤولية السياسية عن تنفيذ البرنامج المشترك.

فكل حزب قدم وعوده للناخبين، وكل حزب دافع عن تصوره للإصلاح، لكن الجميع سيكونون أمام مسؤولية جماعية في تدبير الشأن الحكومي.

ومن ثم، لا ينبغي أن تتحول التوافقات السياسية إلى وسيلة لتذويب المسؤوليات، بحيث ينسب كل حزب النجاحات إلى نفسه، ويلقي بالإخفاقات على شركائه أو على الحكومات السابقة.

إن المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة الأحزاب التي تشكل الأغلبية، بل يحتاج أيضا إلى معرفة الالتزامات التي اتفقت عليها، وآجال تنفيذها، والوسائل المرصودة لتحقيقها.

وهنا تبرز أهمية البرلمان، أغلبية ومعارضة، في مراقبة مدى انسجام الاختيارات المالية مع البرنامج الحكومي، وفي تتبع تنفيذ الاعتمادات وتقييم نتائج السياسات العمومية.

فالمحاسبة السياسية الحقيقية لا تبدأ عند نهاية الولاية الحكومية، بل تبدأ منذ المصادقة على أول ميزانية، حين تتحول الوعود إلى التزامات قابلة للقياس.

وأخيراً… هل تكون ميزانية 2027 بداية الوفاء بالوعود؟

قد لا تكون ميزانية 2027 قادرة على استيعاب جميع الالتزامات التي حملتها البرامج الانتخابية، وقد تفرض الإكراهات المالية والاقتصادية اعتماد التدرج في تنفيذ بعضها.

وهذا أمر يمكن تفهمه، شريطة أن يقترن بالوضوح في ترتيب الأولويات، والصدق في تحديد الإمكانات، والجرأة في إعلان ما يمكن إنجازه وما يتطلب وقتا أطول.

فالمواطن لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر أن يجد أثراً للوعود التي سمعها في القرارات التي تمس حياته اليومية.

كما أن الثقة التي تسعى الأحزاب إلى استعادتها لا تُبنى فقط بتجديد الوجوه أو تغيير التحالفات، وإنما بقدرتها على احترام التزاماتها، أو على الأقل تفسير ما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك.

لقد انتهى سباق الأحزاب نحو المقاعد، وبدأ امتحان الوفاء بالوعود.

وإذا كانت صناديق الاقتراع قد حددت موازين القوى داخل البرلمان، فإن ميزانية 2027 قد تكشف عن موازين أخرى أكثر دلالة: موازين الأولويات بين الاقتصادي والاجتماعي، وبين الاستمرارية والتغيير، وبين الطموح الانتخابي والقدرة على الإنجاز.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يرافق مناقشة أول قانون مالية ستتحمل الحكومة المنتظرة مسؤولية اعتماده وتنفيذه:

هل سنكون أمام ميزانية تترجم وعود انتخابات 2026 إلى التزامات فعلية، أم أمام وعود جديدة تنتظر ميزانيات السنوات المقبلة؟

ففي السياسة، لا تكمن صعوبة الأمتار الأخيرة دائما في الوصول إلى السلطة، بل في الوفاء بما قيل للمواطنين أثناء الطريق إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى