بركنان لـ”إعلام تيفي”: الأحزاب مطالبة بالانتقال من إعلان المواقف بشأن الصحراء إلى دبلوماسية حزبية ترافعية

أميمة حدري
اعتبر المحلل السياسي سعيد بركنان أن سنة 2007، التي قدم فيها المغرب مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا سلميا للنزاع حول الصحراء المغربية، شكلت محطة انتقالية في مسار تعاطي الأحزاب السياسية المغربية مع القضية الوطنية، من مرحلة الاكتفاء بإعلان المواقف التقليدية المؤكدة لمغربية الصحراء إلى مرحلة الانخراط في مبادرات سياسية ودبلوماسية قادرة على مواكبة التحولات الدولية والترافع عن المقترح المغربي.
وأوضح بركنان، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن المرحلة الحالية لم تعد تقتصر على إبراز الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء والشرعية التاريخية للمغرب على إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، باعتبار ذلك أحد الثوابت الوطنية التي ظلت محل توافق بين مختلف الأحزاب السياسية، وإنما تفرض الانتقال إلى مستوى أكثر عملية، يقوم على تحويل المواقف المساندة للمقترح المغربي إلى مبادرات ترافعية تستثمر العلاقات الحزبية الدولية.
وأضاف المحلل السياسي أن الأحزاب المغربية أصبحت مطالبة بتوظيف امتداداتها وعلاقاتها مع التنظيمات السياسية الأجنبية، من أجل التعريف بالمقاربة المغربية لدى الفاعلين السياسيين والمؤسسات التشريعية وصناع الرأي العام في مختلف الدول، خصوصا في ظل التطورات التي تعرفها القضية الوطنية وما تفرضه من مواكبة سياسية ودبلوماسية أكثر فاعلية.
وسجل المتحدث أن أداء الأحزاب السياسية المغربية في هذا الملف ظل، في جزء كبير منه، محكوما بمنطق التفاعل مع الأحداث والمستجدات، سواء تعلق الأمر بالقرارات الصادرة عن القناة الدبلوماسية الرسمية أو بالتطورات المرتبطة بالنزاع، من خلال الترحيب بالمواقف والقرارات الداعمة للمغرب أو رفض المبادرات التي تعرقل مسار التسوية السياسية وتنزيل مقترح الحكم الذاتي.
وفي المقابل، يرى بركنان أن الأحزاب لم تتمكن من بلورة مبادرات ترافعية مستقلة تستحضر التحولات الدولية وتستثمر الإمكانات المؤسساتية التي تتوفر عليها، سواء داخل البرلمان أو مجالس الجماعات الترابية والهيئات المنتخبة، وهي مؤسسات تتيح، بحسبه، إمكانية بناء دبلوماسية حزبية متعددة المستويات، تتجاوز حدود التصريحات والبيانات السياسية.
وفي هذا السياق، أشار إلى إمكانية توظيف هذه الامتدادات المؤسساتية لإقامة علاقات مباشرة مع المنتخبين المحليين والجهويين والبرلمانيين الأجانب، وتعريفهم بالتطورات التنموية والمؤسساتية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، إلى جانب تقديم مشروع الحكم الذاتي باعتباره مقترحا سياسيا لتسوية النزاع.
كما دعا إلى تشجيع تفعيل آلية التوأمة بين المجالس الجماعية التي تسيرها الأحزاب المغربية ونظيراتها في مختلف دول العالم، بما يتيح توسيع قنوات التواصل والترافع عن القضية الوطنية.
وعزا المحلل السياسي محدودية المبادرات الحزبية في هذا المجال إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بطبيعة النسق السياسي المغربي وموقع الأحزاب داخله، فضلا عن مركزية قضية الصحراء المغربية في العلاقات الخارجية للدولة، وما يترتب عن ذلك من تمركز المبادرة الدبلوماسية لدى المؤسسات الرسمية، مقابل اقتصار الدور الحزبي، في كثير من الأحيان، على المساهمة الاستشارية في إطار الإجماع الوطني حول القرارات المرتبطة بالقضية.
كما ربط هذا الوضع بإكراهات بنيوية تطبع العمل الحزبي، من بينها موسمية النشاط السياسي وارتباطه بمحطات واستحقاقات معينة، على حساب الاستمرارية المطلوبة في القضايا الاستراتيجية، إلى جانب محدودية التنسيق بين الأحزاب فيما بينها بشأن ملف الصحراء المغربية، إذ يظل الإجماع الحزبي موجها أساسا نحو التنسيق مع الدولة ومساندة مواقفها الرسمية، دون أن يترجم بالقدر الكافي إلى آليات تعاون وتنسيق مشترك بين التنظيمات السياسية.
ومن بين الإشكالات التي توقف عندها بركنان، غياب مراكز حزبية متخصصة في الدراسات والأبحاث، قادرة على إنتاج مبادرات علمية وأكاديمية تدعم الترافع عن القضية الوطنية، وتوفر أرضية معرفية لتطوير دبلوماسية حزبية تستند إلى المعطيات والتحليل والبحث، بدل الاقتصار على المواقف السياسية العامة.
وشدد المتحدث على أن الاحتفال بعيد الوحدة، في ظل المستجدات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، يطرح على الأحزاب السياسية مسؤولية الانتقال إلى نموذج أكثر احترافية في مجال الدبلوماسية الحزبية، يقوم على تجاوز المقاربة الاستشارية والتفاعلية نحو مبادرات عملية ومستدامة، تواكب تنامي حضور مبادرة الحكم الذاتي في النقاش الدولي وتطور المواقف الخارجية بشأن النزاع.
وفي هذا الإطار، دعا بركنان إلى إرساء تنسيق بين مختلف الأحزاب السياسية المغربية من أجل بلورة استراتيجية وطنية مشتركة للترافع خارج المملكة عن القضية الوطنية، ودعم تنزيل مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، مع توزيع الأدوار وتعبئة العلاقات السياسية والمؤسساتية المتاحة لكل تنظيم.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الرهان لم يعد يتمثل في جعل الأحزاب المغربية أكثر تعبيرا عن تشبثها بمغربية الصحراء، بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على تحويل هذا الموقف الوطني الموحد إلى قوة تأثير داخل الأحزاب والبرلمانات ومراكز القرار الدولية، معتبرا أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من دبلوماسية حزبية قائمة على التضامن مع الموقف الرسمي إلى دبلوماسية تقوم على توزيع الأدوار وتراكم العلاقات وتحقيق نتائج ملموسة.





